إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ،فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا:لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ.وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ:هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ.وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً،وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا،لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ» ..
يبدأ الحديث عن قضية الوحي بترذيل مقولتهم عنه،واستنكار استقبالهم له،وهو آيات «بَيِّناتٍ» لا لبس فيها ولا غموض،ولا شبهة فيها ولا ريبة.ثم إنه «الحق» الذي لا مرية فيه.وهم يقولون لتلك الآيات ولهذا الحق «هذا سِحْرٌ مُبِينٌ» ..وشتان بين الحق والسحر.وهما لا يختلطان ولا يشتبهان.
وهكذا يبدأ الهجوم منذ البدء على تقولهم الظالم وادعائهم القبيح،الذي لا يستند إلى شبهة ولا ظل من دليل.ثم يرتقي في إنكار مقولتهم الأخرى .. «افْتَراهُ» ..فلا يسوقها في صيغة الخبر بل في صيغة الاستفهام.كأن هذا القول لا يمكن أن يقال،وبعيد أن يقال: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ؟» ..
فيبلغ بهم التطاول أن يقولوا هذه المقولة التي لا تخطر على بال؟!
ويلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بأدب النبوة،الذي ينم عن حقيقة شعوره بربه،وشعوره بوظيفته،وشعوره بحقيقة القوى والقيم في هذا الوجود كله: «قُلْ:إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ.كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ..قل لهم:كيف أفتريه؟ ولحساب من أفتريه؟ ولأي هدف أفتريه؟ أأفتريه لتؤمنوا بي وتتبعوني؟ ولكن: «إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» ..وهو آخذني بما افتريت.فماذا يجديني أن تكونوا معي وأن تتبعوني.
وأنتم أعجز من أن تحموني من اللّه حين يأخذني بافترائي،وأضعف من أن تنصروني؟! وهو الرد اللائق بنبي،يتلقى من ربه،ولا يرى في الوجود غيره،ولا يعرف قوة غير قوته،وهو رد كذلك منطقي يدركه المخاطبون به لو حكموا عقولهم فيه.يجيبهم به،ثم يترك أمرهم للّه: «هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ» ..من القول والفعل.وهو يجزيكم بما يعلمه من أمركم. «كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» ..يشهد ويقضي،وفي شهادته الكفاية وفي قضائه. «وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ..وقد يرأف بكم،فيهديكم رحمة منه،ويغفر لكم ما كان من ضلالكم قبل الهدى والإيمان ..
رد فيه تحذير وترهيب.وفيه إطماع وتحضيض.يأخذ على القلب مسالكه،ويلمس أوتاره.ويشعر السامعين أن الأمر أجل من مقولاتهم الهازلة،وادعاءاتهم العابثة.وأنه في ضمير الداعية أكبر وأعمق مما يشعرون.
ويمضي معهم في مناقشة القضية - قضية الوحي - من زاوية أخرى واقعية مشهودة.فماذا ينكرون من أمر الوحي والرسالة ولم يعجلون بتهمة السحر أو تهمة الافتراء؟ وليس في الأمر غريب ولا عجيب: «قُلْ:ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ.إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ.وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» ..