فهرس الكتاب

الصفحة 4016 من 4997

إنه - صلى الله عليه وسلم - ليس أول رسول.فقد سبقته الرسل.وأمره كأمرهم.وما كان بدعا من الرسل.بشر يعلم اللّه أنه أهل للرسالة فيوحي إليه،فيصدع بما يؤمر.هذا هو جوهر الرسالة وطبيعتها ..والرسول حين يتصل قلبه لا يسأل ربه دليلا،ولا يطلب لنفسه اختصاصا.إنما يمضي في سبيله،يبلغ رسالة ربه،حسبما أوحى بها إليه: «وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ.إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ» ..فهو لا يمضي في رسالته لأنه يعلم الغيب أو لأنه يطلع على ما يكون من شأنه وشأن قومه وشأن الرسالة التي يبشر بها.إنما هو يمضي وفق الإشارة وحسب التوجيه.واثقا بربه،مستسلما لإرادته،مطيعا لتوجيهه،يضع خطاه حيث قادها اللّه.

والغيب أمامه مجهول،سره عند ربه.وهو لا يتطلع إلى السر من وراء الستر لأن قلبه مطمئن،ولأن أدبه مع ربه ينهاه عن التطلع لغير ما فتح له.فهو واقف أبدا عند حدوده وحدود وظيفته: «وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» ..وإنه لأدب الواصلين،وإنها لطمأنينة العارفين،يتأسون فيها برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيمضون في دعوتهم للّه.لا لأنهم يعرفون مآلها،أو يعلمون مستقبلها.أو يملكون فيها قليلا أو كثيرا.ولكن لأن هذا واجبهم وكفى.وما يطلبون من ربهم برهانا فبرهانهم في قلوبهم.وما يطلبون لأنفسهم خصوصية فخصوصيتهم أنه اختارهم.وما يتجاوزون الخط الدقيق الذي خطه لهم،ورسم لهم فيه مواقع أقدامهم على طول الطريق.

ثم يواجههم بشاهد قريب،لشهادته قيمتها،لأنه من أهل الكتاب الذين يعرفون طبيعة التنزيل: «قُلْ:أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ،وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ،فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ..

وقد تكون هذه واقعة حال،ويكون واحد أو أكثر من بني إسرائيل،عرف أن طبيعة هذا القرآن هي طبيعة الكتب المنزلة من عند اللّه،بحكم معرفته لطبيعة التوراة.فآمن.وقد وردت روايات أنها نزلت في عبد اللّه ابن سلام.لولا أن هذه السورة مكية وعبد اللّه بن سلام إنما أسلم في المدينة.وقد ورد كذلك أن هذه الآية مدنية توكيدا لنزولها في شأن عبد اللّه - رضي اللّه عنه - .كما ورد أنها مكية وأنها لم تنزل فيه.وقد تكون إشارة إلى واقعة أخرى في مكة نفسها.فقد آمن بعض أهل الكتاب على قلة في العهد المكي.

وكان لإيمانهم،وهم أهل كتاب،قيمته وحجيته في وسط المشركين الأميين.ومن ثم نوه به القرآن في مواضع متعددة،وواجه به المشركين الذين كانوا يكذبون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

وهذا الأسلوب في الجدل: «قُلْ:أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...إلخ» يراد به زعزعة الإصرار والعناد في نفوس أهل مكة،وإثارة التخوف في نفوسهم والتحرج من المضي في التكذيب.ما دام أن هذا القرآن يحتمل أن يكون من عند اللّه حقا كما يقول محمد.وفي هذه الحالة تكون العاقبة وخيمة.فأولى لهم أن يحتاطوا لهذا الفرض،الذي قد يصح،فيحل بهم كل ما ينذرهم به.ومن الأحوط إذن أن يتريثوا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت