فهرس الكتاب

الصفحة 403 من 4997

ورد في بعض الروايات أن هذه الآيات هي أول ما نزل في القتال.نزل قبلها الإذن من اللّه للمؤمنين الذين يقاتلهم الكفار بأنهم ظلموا [1] .وأحس المؤمنون بأن هذا الإذن هو مقدمة لفرض الجهاد عليهم،وللتمكين لهم في الأرض،كما وعدهم اللّه في آيات سورة الحج: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا،وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا:رَبُّنَا اللَّهُ.وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا.وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ،إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ،الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ،وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» ..

ومن ثم كانوا يعرفون لم أذن لهم بأنهم ظلموا،وأعطيت لهم إشارة الانتصاف من هذا الظلم،بعد أن كانوا مكفوفين عن دفعه وهم في مكة،وقيل لهم: «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ» ..وكان هذا الكف لحكمة قدرها اللّه ..نستطيع أن نحدس بعض أسبابها على سبيل التقدير البشري الذي لا يحصى ولا يستقصى.

وأول ما نراه من أسباب هذا الكف،أنه كان يراد أولا تطويع نفوس المؤمنين من العرب للصبر امتثالا للأمر،وخضوعا للقيادة،وانتظارا للإذن.وقد كانوا في الجاهلية شديدي الحماسة،يستجيبون لأول ناعق،ولا يصبرون على الضيم ..وبناء الأمة المسلمة التي تنهض بالدور العظيم الذي نيطت به هذه الأمة يقتضي ضبط هذه الصفات النفسية،وتطويعها لقيادة تقدر وتدبر،وتطاع فيما تقدر وتدبر،حتى لو كانت هذه الطاعة على حساب الأعصاب التي تعودت الاندفاع والحماسة والخفة للهيجاء عند أول داع ..ومن ثم استطاع رجال من طراز عمر بن الخطاب في حميته،وحمزة بن عبد المطلب في فتوته،وأمثالهما من أشداء المؤمنين الأوائل أن يصبروا للضيم يصيب الفئة المسلمة وأن يربطوا على أعصابهم في انتظار أمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأن يخضعوا لأمر القيادة العليا وهي تقول لهم: «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ» ..ومن ثم وقع التوازن بين الاندفاع والتروي،والحماسة والتدبر،والحمية والطاعة ..في هذه النفوس التي كانت تعد لأمر عظيم ..

(1) - قال الإمام ابن كثير:"قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } قال:هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقاتل من قاتله، ويكف عَمَّن كف عنه حتى نزلت سورة براءة وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال:هذه منسوخة بقوله: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } [التوبة:5] وفي هذا نظر؛ لأن قوله: { الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } إنما هو تَهْييج وإغراء بالأعداء الذين همّتْهم قتال الإسلام وأهله، أي:كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } [التوبة:36] ؛ ولهذا قال في هذه الآية: { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } أي:لتكن همتكم منبعثة على قتالهم، كما أن همتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها، قصاصًا."

وقد حكى عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أن أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة، { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } الآية [الحج:39] وهو الأشهر وبه ورد الحديث."تفسير ابن كثير - دار طيبة [1 /523] "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت