والأمر الثاني الذي يلوح لنا من وراء الكف عن القتال في مكة ..هو أن البيئة العربية،كانت بيئة نخوة ونجدة.وقد كان صبر المسلمين على الأذى،وفيهم من يملك رد الصاع صاعين،مما يثير النخوة ويحرك القلوب نحو الإسلام وقد حدث بالفعل عند ما أجمعت قريش على مقاطعة بني هاشم في شعب أبي طالب،كي يتخلوا عن حماية الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه عند ما اشتد الاضطهاد لبني هاشم،ثارت نفوس نجدة ونخوة،ومزقت الصحيفة التي تعاهدوا فيها على المقاطعة.وانتهى هذا الحصار تحت تأثير هذا الشعور الذي كانت القيادة الإسلامية في مكة تراعيه في خطة الكف عن المقاومة،فيما يبدو لنا من خلال دراسة السيرة كحركة.
ومما يتعلق بهذا الجانب أن القيادة الإسلامية لم تشأ أن تثير حربا دموية داخل البيوت.فقد كان المسلمون حينذاك فروعا من البيوت.وكانت هذه البيوت هي التي تؤذي أبناءها وتفتنهم عن دينهم ولم تكن هناك سلطة موحدة هي التي تتولى الإيذاء العام.ولو أذن للمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم يومذاك،لكان معنى هذا الإذن أن تقوم معركة في كل بيت،وأن يقع دم في كل أسرة ..مما كان يجعل الإسلام - في نظر البيئة العربية - يبدو دعوة تفتت البيوت،وتشعل النار فيها من داخلها ..فأما بعد الهجرة فقد انعزلت الجماعة المسلمة كوحدة مستقلة،تواجه سلطة أخرى في مكة،تجند الجيوش وتقود الحملات ضدها ..وهذا وضع متغير عما كان عليه الوضع الفردي في مكة،بالنسبة لكل مسلم في داخل أسرته.
هذه بعض الأسباب التي تلوح للنظرة البشرية من وراء الحكمة في كف المسلمين في مكة عن دفع الفتنة والأذى.وقد يضاف إليها أن المسلمين إذ ذاك كانوا قلة،وهم محصورون في مكة،وقد يأتي القتل عليهم لو تعرضوا لقتال المشركين،في صورة جماعة ذات قيادة حربية ظاهرة.فشاء اللّه أن يكثروا،وأن يتحيزوا في قاعدة آمنة،ثم أذن لهم بعد هذا في القتال ..
وعلى أية حال فقد سارت أحكام القتال بعد ذلك متدرجة وفق مقتضيات الحركة الإسلامية في الجزيرة (ثم خارج الجزيرة) .وهذه الآيات المبكرة في النزول قد تضمنت بعض الأحكام الموافقة لمقتضيات الموقف في بدء المناجزة بين المعسكرين الأساسيين.معسكر الإسلام ومعسكر الشرك.وهي في الوقت ذاته تمثل بعض الأحكام الثابتة في القتال بوجه عام،ولم تعدل من ناحية المبدأ إلا تعديلا يسيرا في سورة براءة.
ولعله يحسن أن نقول كلمة مجملة عن الجهاد في الإسلام،تصلح أساسا لتفسير آيات القتال هنا،وفي المواضع القرآنية الأخرى،قبل مواجهة النصوص القرآنية في هذا الموضع بصفة خاصة:
لقد جاءت هذه العقيدة في صورتها الأخيرة التي جاء بها الإسلام لتكون قاعدة للحياة البشرية في الأرض من بعدها،ولتكون منهجا عاما للبشرية جميعها ولتقوم الأمة المسلمة بقيادة البشرية في طريق اللّه وفق هذا المنهج،المنبثق من التصور الكامل الشامل لغاية الوجود كله ولغاية الوجود الإنساني،كما