على الحياة في هذا الكوكب الأرضي - لا ندري أين - لقوله تعالى:لآدم وإبليس معا: «اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ» ..
والجن الذين سخروا لسليمان عليه السلام كانوا يقومون له بأعمال في الأرض تقتضي أن يكونوا مزودين بالقدرة على الحياة فيها.وأن له قدرة كذلك على الحياة خارج هذا الكوكب لقول اللّه تعالى حكاية عن الجن: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا،وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ،فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا» ..
وأنه يملك التأثير في إدراك البشر وهو مأذون في توجيه الضالين منهم - غير عباد اللّه - للنصوص السابقة،ولقوله تعالى في حكاية حوار إبليس اللعين: «قالَ:فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» ..وغير هذا من النصوص المماثلة.ولكنا لا نعرف كيف يوسوس ويوجه وبأي أداة.وأنه يستطيع أن يسمع صوت الإنسان ويفهم لغته،بدلالة استماع نفر من الجن للقرآن وفهمه والتأثر به.وأنه قابل للهدى وللضلال بدلالة قول هذا النفر في سورة الجن: «وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ.فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا،وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا» ..وبدليل ذهابهم إلى قومهم منذرين يدعونهم إلى الإيمان،بعد ما وجدوه في نفوسهم،وعلموا أن قومهم لم يجدوه بعد.وهذا هو القدر المستيقن في أمر الجن،وهو حسبنا،بلا زيادة عليه ليس عليها من دليل [1] .
فأما الحادث الذي تشير إليه هذه الآيات،كما تشير إليه سورة الجن كلها على الأرجح،فقد وردت فيه روايات متعددة نثبت أصحها:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْجِنِّ وَلا رَآهُمْ انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظَ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيْطَانِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، قَالُوا:مَا لَكُمْ؟ قَالُوا:حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا:مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلا شَيْءٌ حَدَثَ، فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ عَامِدٌ إِلَى سُوقِ عُكَاظَ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَقَالُوا:هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، قَالَ:فَهُنَالِكَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا:يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} [سورة الجن آية 1] ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ [2] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ انْطَلَقَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ،وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ،وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ،فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ
(1) - راجع التفاصيل في كتابي الواضح في أركان الإيمان [ص 196] -المبحث الحادي عشر -الإيمان بالجن
(2) - مسند أبي عوانة مشكلا [2 /274] (3078 ) صحيح