فهرس الكتاب

الصفحة 4062 من 4997

قَطُّ،فَأَكُونَ كَالْعَبْدِ السُّوءِ،إِنْ خَافَ عَمِلَ،وَإِنْ لَمْ يَخَفْ لَمْ يَعْمَلْ،وَإِنَّهُ يَسْتَخْرِجُ حُبُّهُ مِنِّي مَا لَا يَسْتَخْرِجُهُ مِنِّي غَيْرُهُ" [1] "

وبين هذا اللون وذلك ألوان من النفوس والمشاعر والطباع ..وكلها تجد - فيما جعله اللّه من نعيم وعذاب،ومن ألوان الجزاء - ما يصلح للتربية في الأرض وما يناسب للجزاء عند اللّه.

(1) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (4810 ) فيه جهالة

ولقد بالغ بعض العلماء- حرصا منهم على أن يخلص المسلم عبادته لله تعالى-فأطلقوا عبارات يخالف ظاهرها الكتاب والسنة، ولكنهم لم يقصدوا-أبدا-التشكيك في الإيمان باليوم الآخر، وإنما قصدوا إخلاص العبادة لله، بحيث لا يلتفت المسلم في عبادته لربه إلى أي شيء من حظوظ نفسه، حتى ولو كان ذلك الحظ هو الرغبة في الجنة والخوف من النار.ومن أشهر العبارات الشائعة المتناقلة في هذا الباب، العبارة المنسوبة إلى رابعة العدوية، وقد سألها الثوري:ما حقيقة إيمانك؟ فقالت: (ما عبدت الله خوفا من ناره ولا حبا لجنته، فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حبا له وشوقا إليه) . [إحياء علوم الدين (4/310) ]

(أقول:ليس في كلامها غلط يخالف العقيدة،بل هو لب العقيدة وهي الدعوة الخالصة لعبادة الله مجردة من كل غرض سوى أنه يستحق العبادة ولكن بما أن غالب الناس يصعب عليهم الوصول لهذه المرتبة فلم يكلفهم الله بها،فكلامها في قمة التجريد ) -مقالات عبد الله قادري الأهدل [12 /165]

قال ابن تيمية رحمه الله:"وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ طَلَبَ الْجَنَّةِ مِنْ اللَّهِ وَالِاسْتِعَاذَةَ بِهِ مِنْ النَّارِ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدْعِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ لِجَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا وَطَرِيقُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الَّتِي يَسْلُكُونَهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ فِعْلِ وَاجِبَاتٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ إذْ مَا سِوَى ذَلِكَ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فِي الدِّينِ . ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا أَوْقَعَ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْغَلَطِ أَنَّهُمْ وَجَدُوا كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ جَلْبَ الْمَنَافِعِ وَدَفْعَ الْمَضَارِّ حَتَّى طَلَبِ الْجَنَّةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ النَّارِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ ذَلِكَ عِبَادَةً وَطَاعَةً وَخَيْرًا ؛ بَلْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ النَّفْسِ تَطْلُبُ ذَلِكَ فَرَأَوْا أَنَّ مِنْ الطَّرِيقِ تَرْكَ مَا تَخْتَارُهُ النَّفْسُ وَتُرِيدُهُ وَأَلَّا يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ إرَادَةٌ أَصْلًا ؛ بَلْ يَكُونُ مَطْلُوبُهُ الْجَرَيَانَ تَحْتَ الْقَدَرِ - كَائِنًا مَنْ كَانَ - وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ فِي الرَّهْبَانِيَّةِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الشَّرِيعَةِ حَتَّى تَرَكُوا مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنِّكَاحِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ وَمَا لَا تَتِمُّ مَصْلَحَةُ دِينِهِمْ إلَّا بِهِ ؛ فَإِنَّهُمْ رَأَوْا الْعَامَّةَ تَعُدُّ هَذِهِ الْأُمُورَ بِحُكْمِ الطَّبْعِ وَالْهَوَى وَالْعَادَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَكُونُ عِبَادَةً وَلَا طَاعَةً وَلَا قُرْبَةً فَرَأَى أُولَئِكَ الطَّرِيقَ إلَى اللَّهِ تَرْكَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَالْأَفْعَالِ الطَّبْعِيَّاتِ فَلَازَمُوا مِنْ الْجُوعِ وَالسَّهَرِ وَالْخَلْوَةِ وَالصَّمْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَرْكُ الْحُظُوظِ وَاحْتِمَالُ الْمَشَاقِّ مَا أَوْقَعَهُمْ فِي تَرْكِ وَاجِبَاتٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ وَفِعْلِ مَكْرُوهَاتٍ وَمُحَرَّمَاتٍ .مجموع الفتاوى لابن تيمية [10 /714] "

وقال أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله- ردا على من زعم منافاة قصد الجزاء على الأعمال الصالحة للإخلاص-: (فلا يخلو أن يكون الحظ المطلوب دنيويا أو أخرويا، فإن كان أخرويا فقد أثبته الشرع، حسبما تقدم. وإذا ثبت شرعا، فطلبه من حيث أثبته صحيح، إذ لم يتعد ما حده الشارع، ولا أشرك مع الله في ذلك العمل غيره، ولا قصد مخالفته، إذ قد فهم من الشارع، حين رتب على الأعمال جزاء أنه قاصد لوقوع الجزاء على الأعمال، فصار العامل ليقع له الجزاء عاملا لله وحده على مقتضى العلم الشرعي. وذلك غير قادح في إخلاصه، لأنه علم أن العبادة المنجية والعمل الموصل ما قصد به وجه الله، لا ما قصد به غيره، لأنه عز وجل يقول: {إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم} الصافات:40-43. فإذا كان قد رتب الجزاء على العمل المخلص-ومعنى كونه مخلصا لا يشرك معه في العبادة غيره-فهذا قد عمل على وفق ذلك، وطلَبُ الحظ ليس بشرك، إذ لا يعبد الحظ نفسه، وإنما يعبد من بيده بذل الحظ المطلوب، وهو الله تعالى، لكن لو أشرك مع الله من ظن بيده بذل حظ ما من العباد، فهذا هو الذي أشرك، حيث جعل مع الله غيره في ذلك الطلب بذلك العمل. والله لا يقبل عملا فيه شرك. وليست مسألتنا من هذا. فقد ظهر أن قصد الحظ الأخروي، في العبادة لا ينافي الإخلاص فيها، بل إذا كان العبد عالما بأنه لا يوصله إلى حظه من الآخرة إلا الله تعالى، فذلك باعث له على الإخلاص قوي، لعلمه أن غيره لا يملك ذلك..) [الموافقات (2/215) وما بعدها]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت