«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ،وَشَاقُّوا الرَّسُولَ - مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى - لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا،وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ» ..
إنه قرار من اللّه مؤكد،ووعد منه واقع:أن الذين كفروا،ووقفوا في وجه الحق أن يبلغ إلى الناس وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع أو أية وسيلة من الوسائل،وشاقوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته بإعلان الحرب عليه،والمخالفة عن طريقه،والوقوف في غير صفه.أو بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه والمتبعين لسنته والقائمين على دعوته.وذلك «مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى » ..وعرفوا أنه الحق ولكنهم اتبعوا الهوى،وجمح بهم العناد،وأعماهم الغرض،وقادتهم المصلحة العاجلة ..
قرار من اللّه مؤكد،ووعد من اللّه واقع أن هؤلاء «لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا» ..وهم أضأل وأضعف من أن يذكروا في مجال إلحاق ضرر باللّه سبحانه وتعالى.فليس هذا هو المقصود.إنما المقصود أنهم لن يضروا دين اللّه ولا منهجه ولا القائمين على دعوته.ولن يحدثوا حدثا في نواميسه وسننه.مهما بلغ من قوتهم،ومهما قدروا على إيذاء بعض المسلمين فترة من الوقت.فإن هذا بلاء وقتي يقع بإذن اللّه لحكمة يريدها وليست ضرا حقيقيا لناموس اللّه وسنته ونظامه ونهجه وعباده القائمين على نظامه ونهجه.والعاقبة مقررة: «وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ» ..فتنتهي إلى الخيبة والدمار.كما تنتهي الماشية التي ترعى ذلك النبات السام!
وفي ظل هذا المصير المخيف للذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه وشاقوا الرسول ..يلتفت إلى الذين آمنوا ليحذرهم ظل هذا المصير،ويوجههم إلى طاعة اللّه وطاعة الرسول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» ..
وهذا التوجيه يوحي بأنه كان في الجماعة المسلمة يومئذ من لا يتحرى الطاعة الكاملة أو من تثقل عليه بعض التكاليف،وتشق عليه بعض التضحيات،التي يقتضيها جهاد هذه الطوائف القوية المختلفة التي تقف للإسلام،وتناوشه من كل جانب والتي تربطها بالمسلمين مصالح ووشائج قربى يصعب فصمها والتخلي عنها نهائيا كما تقتضي العقيدة ذلك.
ولقد كان وقع هذا التوجيه عنيفا عميقا في نفوس المسلمين الصادقين فارتعشت له قلوبهم،وخافوا أن يقع منهم ما يبطل أعمالهم،ويذهب بحسناتهم ..
روى الإمام أحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ،قَالَ:"كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ذَنْبٌ،كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ،فَنَزَلَتْ:أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فَخَافُوا أَنْ يُبْطِلَ الذَّنْبُ الْعَمَلَ" [1] .
(1) - تَعْظِيمُ قَدْرِ الصَّلَاةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ (605 ) حسن مرسل