فهرس الكتاب

الصفحة 4074 من 4997

وروي وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"كُنَّا مَعَاشِرَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَرَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَسَنَاتِنَا إِلَّا مَقْبُولًا , حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: { أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } [محمد:33] فَتَأَمَّلْنَا مَا هَذَا الَّذِي يُبْطِلُ أَعْمَالَنَا , فَقُلْنَا:الْكَبَائِرُ الْمُوجِبَاتُ وَالْفَوَاحِشُ , حَتَّى نَزَلَتْ: { إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء:48] فَلَمَّا نَزَلَتْ كَفَفْنَا عَنِ الْقَوْلِ , وَكُنَّا نَخَافُ عَلَى مَنْ أَصَابَ الْكَبَائِرَ وَنَرْجُو لِمَنْ لَمْ يُصِبْهَا" [1] .

ومن هذه النصوص يتجلى كيف كانت نفوس المسلمين الصادقين تتلقى آيات القرآن:كيف تهتز لها وتضطرب،وكيف ترتجف منها وتخاف،وكيف تحذر أن تقع تحت طائلتها،وكيف تتحرى أن تكون وفقها،وأن تطابق أنفسها عليها ..وبهذه الحساسية في تلقي كلمات اللّه كان المسلمون مسلمين من ذلك الطراز! ثم بين اللّه لهم في الآية التالية مصير الذين يشاقون رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويخرجون عن طاعته،ثم يصرون على هذا،ويذهبون من هذه الأرض كافرين: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ،ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ،فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ» ..فالفرصة متاحة فقط للمغفرة في هذه الدنيا وباب التوبة يظل مفتوحا للكافر وللعاصي حتى يغرغر.فإذا بلغت الروح الحلقوم فلا توبة ولا مغفرة،فقد ذهبت الفرصة التي لا تعود.ومثل هذه الآية يخاطب المؤمنين كما يخاطب الكفار.فأما هؤلاء فهي نذارة لهم ليتداركوا أمرهم ويتوبوا قبل أن تغلق الأبواب.وأما أولئك فهي تحذير لهم وتنبيه لاتقاء كافة الأسباب التي تقرب بهم من هذا الطريق الخطر المشئوم!

ندرك هذا من ترتيب النهي عن الوهن والدعوة إلى السلم في الآية التالية على ما ورد في الآية السابقة من بيان لمصير الكافرين المشاقين: «فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ،وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ،وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ» ..فهذا هو الذي يحذر المؤمنين إياه،ويضع أمامهم مصير الكفار المشاقين للرسول،ليحذروا شبحه من بعيد! وهذا التحذير يشي بوجود أفراد من المسلمين كانوا يستثقلون تكاليف الجهاد الطويل ومشقته الدائمة وتهن عزائمهم دونه ويرغبون في السلم والمهادنة ليستريحوا من مشقة الحروب.وربما كان بعضهم ذوي قرابة في المشركين ورحم،أو ذوي مصالح وأموال وكان هذا يجنح بهم إلى السلم والمهادنة.فالنفس البشرية هي والتربية الإسلامية تعالج هذا الوهن وهذه الخواطر الفطرية بوسائلها.وقد نجحت نجاحا خارقا.ولكن هذا لا ينفي أن تكون هناك رواسب في بعض النفوس،وبخاصة في ذلك الوقت المبكر من العهد المدني.وهذه الآية بعض العلاج لهذه الرواسب.فلننظر

(1) - تَعْظِيمُ قَدْرِ الصَّلَاةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ( 606) حسن

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:فَدَلَّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْبَدْءِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ , أَنَّ مَنْ كَانَتْ مِنْهُ الْكَبَائِرُ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الْحَسَنَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ , حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ الْمَتْلُوَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , فَعَلِمُوا بِهَا أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ , فَعَقَلُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ إِذَا كَانُوا مَعَهَا لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ". شرح مشكل الآثار [5 /383] ( 2137) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت