وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ ،أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ،رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَمَّرَ عَلَى الْأَجْنَادِ:يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى جُنْدٍ ،وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى جُنْدٍ ،وَشُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ عَلَى جُنْدٍ ،وَأَمَّرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى جُنْدٍ ،ثُمَّ جَعَلَ يَزِيدَ عَلَى الْجَمَاعَةِ ،وَخَرَجَ مَعَهُ يُشَيِّعُهُ وَيُوصِيهِ ،وَيَزِيدُ رَاكِبٌ ،وَأَبُو بَكْرٍ يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ ،فَقَالَ يَزِيدُ:يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ ،وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ وَأَمْشِيَ مَعَكَ ،فَقَالَ:إِنِّي لَسْتُ بِرَاكِبٍ ،وَلَسْتُ بِتَارِكِكَ أَنْ تَنْزِلَ , إِنِّي أَحْتَسِبُ هَذَا الْخَطْوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ،يَا يَزِيدُ إِنَّكُمْ سَتَقْدَمُونَ أَرْضًا يُقَدَّمُ إِلَيْكُمْ فِيهَا أَلْوَانُ الْأَطْعِمَةِ ،فَسَمُّوا اللَّهَ إِذَا أَكَلْتُمْ ،وَاحْمَدُوهُ إِذَا فَرَغْتُمْ ،يَا يَزِيدُ ،إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ قَوْمًا قَدْ فَحَصُوا أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ فَهِيَ كَالْعَصَائِبِ ،فَفَلَقُوا هَامَهُمْ بِالسُّيُوفِ ،وَسَتَمُرُّونَ عَلَى قَوْمٍ فِي صَوَامِعَ لَهُمْ ،احْتَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا ،فَدَعْهُمْ حَتَّى يُمِيتَهُمُ اللَّهُ فِيهَا عَلَى ضَلَالَتِهِمْ ،يَا يَزِيدُ لَا تَقْتُلْ صَبِيًّا ،وَلَا امْرَأَةً ،وَلَا صَغِيرًا ،وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا ،وَلَا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا ،وَلَا دَابَّةً عَجْمَاءَ ،وَلَا بَقَرَةً ،وَلَا شَاةً إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ ،وَلَا تَحْرِقَنَّ نَخْلًا ،وَلَا تُغَرِّقَنَّهُ ،وَلَا تَغْلُلْ ،وَلَا تَجْبُنْ" [1] "
فهذه هي الحرب التي يخوضها الإسلام وهذه هي آدابه فيها وهذه هي أهدافه منها ..وهي تنبثق من ذلك التوجيه القرآني الجليل: «وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ،وَلا تَعْتَدُوا،إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» ..
وقد كان المسلمون يعلمون أنهم لا ينصرون بعددهم - فعددهم قليل - ولا ينصرون بعدتهم وعتادهم - فما معهم منه أقل مما مع أعدائهم - إنما هم ينصرون بإيمانهم وطاعتهم وعون اللّه لهم.فإذا هم تخلوا عن توجيه اللّه لهم وتوجيه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقد تخلوا عن سبب النصر الوحيد الذي يرتكنون إليه.ومن ثم كانت تلك الآداب مرعية حتى مع أعدائهم الذين فتنوهم ومثلوا ببعضهم أشنع التمثيل ..ولما فار الغضب برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فأمر بحرق فلان وفلان (رجلين من قريش) عاد فنهى عن حرقهما،لأنه لا يحرق بالنار إلا اللّه [2] .
(1) - سُنَنُ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ (2207 ) حسن لغيره - زيادة مني
(2) - فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى بَعْثٍ فَقَالَ « إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ » ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ « إِنِّى أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا،وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللَّهُ،فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا » - صحيح البخارى- المكنز [11 /58] (3016 ) والمسند الجامع [18 /81] (14633)