فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 4997

ثم يمعن السياق في توكيد القتال لهؤلاء الذين قاتلوا المسلمين وفتنو هم في دينهم،وأخرجوهم من ديارهم،والمضي في القتال حتى يقتلو هم على أية حالة،وفي أي مكان وجدوهم.باستثناء المسجد الحرام.إلا أن يبدأ الكفار فيه بالقتال.وإلا أن يدخلوا في دين اللّه فتكف أيدي المسلمين عنهم،مهما كانوا قد آذوهم من قبل وقاتلوهم وفتنوهم: «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ،وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ - وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ.فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ.كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ.فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..

إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية.ومن ثم فهي أشد من القتل.أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة.ويستوي أن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي،أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج اللّه،وتزين لهم الكفر به أو الإعراض عنه.وأقرب الأمثلة على هذا هو النظام الشيوعي الذي يحرم تعليم الدين ويبيح تعليم الإلحاد،ويسن تشريعات تبيح المحرمات كالزنا والخمر،ويحسنها للناس بوسائل التوجيه بينما يقبح لهم اتباع الفضائل المشروعة في منهج اللّه.ويجعل من هذه الأوضاع فروضا حتمية لا يملك الناس التفلت منها.

وهذه النظرة الإسلامية لحرية العقيدة،وإعطاؤها هذه القيمة الكبرى في حياة البشرية ..هي التي تتفق مع طبيعة الإسلام،ونظرته إلى غاية الوجود الإنساني.فغاية الوجود الإنساني هي العبادة (ويدخل في نطاقها كل نشاط خير يتجه به صاحبه إلى اللّه) .وأكرم ما في الإنسان حرية الاعتقاد.فالذي يسلبه هذه الحرية،ويفتنه عن دينه فتنة مباشرة أو بالواسطة،يجني عليه ما لا يجني عليه قاتل حياته.ومن ثم يدفعه بالقتل ..

لذلك لم يقل:وقاتلوهم.إنما قال: «وَاقْتُلُوهُمْ» .. «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ» ..أي حيث وجدتموهم.

في أية حالة كانوا عليها وبأية وسيلة تملكونها - مع مراعاة أدب الإسلام في عدم المثلة أو الحرق بالنار.

ولا قتال عند المسجد الحرام،الذي كتب اللّه له الأمن،وجعل جواره آمنا استجابة لدعوة خليله إبراهيم (عليه السلام) وجعله مثابة يثوب إليها الناس فينالون فيه الأمن والحرمة والسلام ..لا قتال عند المسجد الحرام إلا للكافرين الذين لا يرعون حرمته،فيبدأون بقتال المسلمين عنده.وعند ذلك يقاتلهم المسلمون ولا يكفون عنهم حتى يقتلوهم ..فذلك هو الجزاء اللائق بالكافرين،الذين يفتنون الناس عن دينهم،ولا يرعون حرمة للمسجد الحرام،الذي عاشوا في جواره آمنين.

«فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..والانتهاء الذي يستأهل غفران اللّه ورحمته،هو الانتهاء عن الكفر،لا مجرد الانتهاء عن قتال المسلمين أو فتنتهم عن الدين.فالانتهاء عن قتال المسلمين وفتنتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت