نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا قَاتَلْنَاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:امْحُ يَا عَلِيُّ،اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُكَ،امْحُ يَا عَلِيُّ وَاكْتُبْ:هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَاللَّهِ لَرَسُولُ اللهِ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ،وَقَدْ مَحَا نَفْسَهُ،وَلَمْ يَكُنْ مَحْوُهُ ذَلِكَ يُمْحَاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ،أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ ؟ قَالُوا:نَعَمْ [1] ..
وكانت حميتهم لدينهم وحماستهم للقاء المشركين بالغة،يبدو هذا في بيعتهم الإجماعية ثم انتهى الأمر إلى المصالحة والمهادنة والرجوع.فلم يكن هينا على نفوسهم أن تنتهي الأمور إلى ما انتهت إليه.يبدو هذا في تباطئهم في النحر والحلق،حتى قالها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا.وهم من هم طاعة لأمر رسول اللّه وامتثالا.كالذي حكاه عنهم لقريش عروة ابن مسعود الثقفي.ولم ينحروا ويحلقوا أو يقصروا إلا حين رأوا رسول اللّه يفعل هذا بنفسه،فهزتهم هذه الحركة العملية ما لم يهزهم القول،وثابوا إلى الطاعة كالذي كان في دهشة المأخوذ! وهم كانوا قد خرجوا من المدينة بنية العمرة،لا ينوون قتالا،ولم يستعدوا له نفسيا ولا عمليا.ثم فوجئوا بموقف قريش،وبما شاع من قتلها لعثمان،وبإرسال النفر الذين رموا في عسكر المسلمين بالنبل والحجارة.
فلما عزم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على المناجزة وطلب البيعة أعطوها له عن بكرة أبيهم.ولكن هذا لا ينفي موقف المفاجأة على غير ما كانت نفوسهم قد خرجت له.وهو بعض ما كان يجيش في قلوبهم من انفعالات وتأثرات.وهم ألف وأربعمائة وقريش في دارها،ومن خلفهم الأعراب والمشركون.وحين يسترجع الإنسان هذه الصور يدرك معنى قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» ..
ويذوق طعم اللفظ وطعم العبارة،ويتصور الموقف يومئذ ويعيش فيه مع هذه النصوص،ويحس برد السكينة وسلامها في تلك القلوب.ولما كان اللّه يعلم من قلوب المؤمنين يومئذ،أن ما جاش فيها جاش عن الإيمان،والحمية الإيمانية لا لأنفسهم ،ولا لجاهلية فيهم.فقد تفضل عليهم بهذه السكينة: «لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ» والطمأنينة درجة بعد الحمية والحماسة،فيها الثقة التي لا تقلق،وفيها الرضى المطمئن باليقين.
ومن ثم يلوّح بأن النصر والغلب لم يكن عسيرا ولا بعيدا،بل كان هينا يسيرا على اللّه لو اقتضت حكمته يومئذ أن يكون الأمر كما أراده المؤمنون،فإن للّه جنودا لا تحصى ولا تغلب،تدرك النصر وتحقق الغلب وقتما يشاء: «وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا» ..فهي حكمته وهو علمه،تسير الأمور وفقهما كما يريد.
وعن العلم والحكمة: «أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ» .ليحقق لهم ما قدره من فوز ونعيم: «لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ،خالِدِينَ فِيها،وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ،وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا» ..
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [1 /860] (3187) صحيح