فهرس الكتاب

الصفحة 4106 من 4997

طريقهم المحفوف بالمهالك! ولكن اللّه يخيب ظن السوء هذا ويبدل المواقف والأحوال بمعرفته هو،وبتدبيره هو،وحسب ميزان القوى الحقيقية.الميزان الذي يمسكه اللّه بيده القوية،فيخفض به قوما ويرفع به آخرين،من حيث لا يعلم المنافقون الظانون باللّه ظن السوء في كل مكان وفي كل حين!

إن الميزان هو ميزان الإيمان.ومن ثم يرد اللّه أولئك الأعراب إليه ويقرر القاعدة العامة للجزاء وفق هذا الميزان،مع التلويح لهم برحمة اللّه القريبة والإيحاء إليهم بالمبادرة إلى اغتنام الفرصة،والتمتع بمغفرة اللّه ورحمته: «وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ،فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا.وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ،وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» ..

لقد كانوا يعتذرون بأموالهم وأهليهم.فماذا تنفعهم أموالهم وأهلوهم في هذه السعير المعدة لهم إذا لم يؤمنوا باللّه ورسوله؟ إنهما كفتان فليختاروا هذه أو تلك على يقين.فإن اللّه الذي يوعدهم هذا الإيعاد،هو مالك السماوات والأرض وحده.فهو الذي يملك المغفرة لمن يشاء،وهو الذي يملك العذاب لمن يشاء.واللّه يجزي الناس بأعمالهم ولكن مشيئته مطلقة لا ظل عليها من قيد،وهو يقرر هذه الحقيقة هنا لتستقر في القلوب.غير متعارضة مع ترتيب الجزاء على العمل،فهذا الترتيب اختيار مطلق لهذه المشيئة.ومغفرة اللّه ورحمته أقرب.فليغتنمها من يريد،قبل أن تحق كلمة اللّه بعذاب من لم يؤمن باللّه ورسوله،بالسعير الحاضرة المعدة للكافرين.

ثم يلوح ببعض ما قدر اللّه للمؤمنين،مخالفا لظن المخلفين.بأسلوب يوحي بأنه قريب: «سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها:ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ.يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ.قُلْ:لَنْ تَتَّبِعُونا.كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ.فَسَيَقُولُونَ:بَلْ تَحْسُدُونَنا.بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا» ..

أغلب المفسرين يرون أنها إشارة إلى فتح خيبر.وقد يكون هذا.ولكن النص يظل له إيحاؤه ولو لم يكن نصا في خيبر.فهو يوحي بأن المسلمين سيفتح عليهم فتح قريب يسير.وأن هؤلاء المخلفين سيدركون هذا،فيقولون: «ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ» ..

ولعل الذي جعل المفسرين يخصصون خيبر،أنها كانت بعد قليل من صلح الحديبية.إذ كانت في المحرم من سنة سبع.بعد أقل من شهرين من صلح الحديبية.وأنها كانت وافرة الغنائم.وكانت حصون خيبر آخر ما بقي لليهود في الجزيرة من مراكز قوية غنية.وكان قد لجأ إليها بعض بني النضير وبني قريظة ممن أجلوا عن الجزيرة من قبل.

وتتواتر أقوال المفسرين أن اللّه وعد أصحاب البيعة في الحديبية أن تكون مغانم خيبر لهم لا يشركهم فيها أحد.ولم أجد في هذا نصا.ولعلهم يأخذون هذا مما وقع فعلا.فقد جعلها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في أصحاب الحديبية،ولم يأخذ معه أحدا غيرهم.

وعلى أية حال فقد أمر اللّه نبيه أن يرد المخلفين من الأعراب إذا عرضوا الخروج للغنائم الميسرة القريبة.وقرر أن خروجهم مخالف لأمر اللّه.وأخبر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنهم سيقولون إذا منعوا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت