يا أيها الذين آمنوا ..ليوقروا النبي الذي دعاهم إلى الإيمان ..أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ..ليحذروا هذا المزلق الذي قد ينتهي بهم إلى حبوط أعمالهم،وهم غير شاعرين ولا عالمين،ليتقوه! ولقد عمل في نفوسهم ذلك النداء الحبيب،وهذا التحذير المرهوب،عمله العميق الشديد:
روى البخاري عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا - أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضى الله عنهما - رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِى تَمِيمٍ،فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِى بَنِى مُجَاشِعٍ،وَأَشَارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ - قَالَ نَافِعٌ لاَ أَحْفَظُ اسْمَهُ - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ مَا أَرَدْتَ إِلاَّ خِلاَفِى .قَالَ مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ .فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِى ذَلِكَ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ) الآيَةَ .قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ .وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ،يَعْنِى أَبَا بَكْرٍ [1]
وعَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينُ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ وَاللَّهِ لاَ أُكَلِّمُكَ إِلاَّ كَأَخِي السِّرَارِ [2] .
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ،قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ: {إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ:يَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لاَ أُكَلِّمُك إِلاَّ كَأَخِي السِّرَارِ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ. [3]
وعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ:بَلَغَنَا وَاللهِ أَعْلَمِ فِي قَوْلِهِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ } [الحجرات:1] يَعْنِي بِذَلِكَ فِي شَأْنِ الْقِتَالِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِمْ، يَقُولُ:لَا تَقْضُوا فِي ذَلِكَ شَيئًا إِلَّا بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ سَرِيَّةً،وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِم مُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ، [ص:100] فَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِ بَنِي عَامِرٍ لِتِلْكَ السَّرِيَّةِ وَهُمْ أَصْحَابُ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَرُجُوعِ ثَلَاثَةٍ منهم إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُمْ لَقُوا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ جَائِيينَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا:مَنْ أَنْتُمَا ؟ فَاعْتَزيا إِلَى بَنِي عَامِرٍ، فَقَالَ النَّفَرُ:إِنَّا ثَائِرُونَ بِإِخْوَانِنَا فَقَتَلُوهُمَا، فَأَتَوَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَتْلَهمَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَقُولُ:لَا تَقْطَعُوا دُونَهُ أَمْرًا وَلَا تَعْجَلُوا به وَقَوْلُهُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } [الحجرات:2] نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيِّ كَانَ إِذَا جَالِسَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْفَعُ صَوْتَهُ إِذَا تَكَلَّمَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ انْطَلَقَ مَهْمُومًا حَزِينًا، فَمَكَثَ فِي بَيْتِهِ أَيَّامًا مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ جَارَهُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أُتِيَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"اذْهَبْ فَأَخْبِرْ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ أَنَّكَ لَمْ تُعْنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بَلْ أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"فَاخْرُجْ إِلَيْنَا فَتَعَاهَدْنَا، فَفَرِحَ
(1) - صحيح البخارى- المكنز [16 /145] (4845)
(2) - مسند البزار ( المطبوع باسم البحر الزخار [1 /127] ( 56) ضعيف - يعني كالهمس!
(3) - مصنف ابن أبي شيبة [19 /135] (355769 صحيح مرسل