فقالوا:يا رسول الله، إنا حدّثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن يكون إنما ردّه كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فأنزل الله عذرهم في الكتاب، فقال ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) [1] .
وعن قتادة، قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ) ...حتى بلغ ( بِجَهَالَةٍ ) وهو ابن أبي معيط الوليد بن عقبة، بعثه نبيّ لله - صلى الله عليه وسلم - مصدّقا إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم، فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبره أنهم قد ارتدّوا عن الإسلام، فبعث نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبَّت ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه; فلما جاءوا أخبروا خالدا أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد، فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبره الخبر، فأنزل الله عزّ وجلّ ما تسمعون، فكان نبيّ الله يقول:التَّبَيُّنُ مِنَ اللّهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطان" [2] ."
وعَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ، قَالَ:"التَّأَنِّي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمَا شَيْءٌ أَكْثَرُ مَعَاذِيرَ مِنَ اللهِ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْحَمْدِ" [3]
وكذا ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى،ويزيد بن رومان،والضحاك،ومقاتل بن حبان.وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في الوليد بن عقبة.واللّه أعلم [4] ..
ومدلول الآية عام،وهو يتضمن مبدأ التمحيص والتثبت من خبر الفاسق فأما الصالح فيؤخذ بخبره،لأن هذا هو الأصل في الجماعة المؤمنة،وخبر الفاسق استثناء.والأخذ بخبر الصالح جزء من منهج التثبت لأنه أحد مصادره.أما الشك المطلق في جميع المصادر وفي جميع الأخبار،فهو مخالف لأصل الثقة المفروض بين الجماعة المؤمنة،ومعطل لسير الحياة وتنظيمها في الجماعة.والإسلام يدع الحياة تسير في مجراها
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [22 /287] حسن لغيره
(2) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [22 /288] صحيح مرسل
(3) - شعب الإيمان [6 /211] (4058) صحيح - زيادة مني
(4) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [7 /372]
وقد ذهب إلى ذلك كثير من المفسرين، وهذا القول فيه نظر؛ فإن الروايات التي ساقت القصة معلولة، وأحسنها وهي رواية أحمد عن الحارث بن ضرار الخزاعي، وفي إسنادها مجهول، وقد أنكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه"العواصم من القواصم" (ص102) هذه القصة قال:"وقد اختلف فيه، فقيل:نزلت في ذلك -أي في شأن الوليد. وقيل:في علي والوليد في قصة أخرى- وقيل:إن الوليد سيق يوم الفتح في جملة الصبيان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح روءسهم وبرك عليهم إلا هو فقال:إنه كان على رأسي خلوق، فامتنع - صلى الله عليه وسلم - من مسه، فمن يكون في مثل هذه السنن يرسل مصدقا، وبهذا الاختلاف يسقط العلماء الأحاديث القوية، وكيف يفسق رجل هذا الكلام؟ فكيف برجل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وللشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله كلام على الوليد بن عقبة في الأنوار الكاشفة (ص263) أثبت فيه أنه لم يؤثر له رواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن جملة ما نفاه هذا الحديث الذي ذكره ابن العربي."