فهرس الكتاب

الصفحة 4148 من 4997

تَظْلِمَ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ ؟ وَلْتَشْغَلْكَ ذُنُوبُكَ عَنْ ذُنُوبِ الْعِبَادِ،وَتُذَابُ أَيَّامُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ،وَلْيَسَعْكَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ،عَمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْعِبَادِ،وَتُذَابُ أَيَّامُ الْحَيَاةِ فِي الشُّكْرِ،وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَالْأَرْبَابِ،وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَالْعَبِيدِ،وَلَا تُعَاهِدِ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيكَ،وَتَدَعُ الْجِذْعَ مُعْتَرِضًا فِي عَيْنِكَ وَاللَّهِ مَا عَدَلْتَ" [1] "

فهكذا أخذ النص طريقه في النظام العملي للمجتمع الإسلامي! ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب،بل صار سياجا حول حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم،فلا تمس من قريب أو بعيد،تحت أي ذريعة أو ستار.

فأين هذا المدى البعيد؟ وأين هذا الأفق السامق؟ وأين ما يتعاجب به أشد الأمم ديمقراطية وحرية وحفظا لحقوق الإنسان بعد ألف وأربع مائة عام؟

بعد ذلك يجيء النهي عن الغيبة في تعبير عجيب،يبدعه القرآن إبداعا: «وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا؟ فَكَرِهْتُمُوهُ» ..

لا يغتب بعضكم بعضا.ثم يعرض مشهدا تتأذى له أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية.مشهد الأخ يأكل لحم أخيه ..ميتا ..! ثم يبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز،وأنهم إذن كرهوا الاغتياب! ثم يعقب على كل ما نهاهم عنه في الآية من ظن وتجسس وغيبة باستجاشة شعور التقوى،والتلويح لمن اقترف من هذا شيئا أن يبادر بالتوبة تطلعا للرحمة: «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ» ..ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس،وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب.ويتشدد فيه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - متمشيا مع الأسلوب القرآني العجيب في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح الغيبة البغيض.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ » .قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.قَالَ « ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ » .قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِى أَخِى مَا أَقُولُ قَالَ « إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ » . [2] .

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِى قَصِيرَةً.فَقَالَ « لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ » .قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ « مَا أُحِبُّ أَنِّى حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِى كَذَا وَكَذَا » [3] .

(1) - التَّوْبِيخُ وَالتَّنْبِيهُ لِأَبِي الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيِّ ( 92 )

(2) - صحيح مسلم- المكنز [16 /481] 6758

(3) - سنن أبي داود - المكنز [4 /420] 4877 صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت