ومع هذا فإن كرم اللّه اقتضى أن يجزيهم على كل عمل صالح يصدر منهم لا ينقصهم منه شيئا.فهذا الإسلام الظاهر الذي لم يخالط القلب فيستحيل إيمانا واثقا مطمئنا.هذا الإسلام يكفي لتحسب لهم أعمالهم الصالحة فلا تضيع كما تضيع أعمال الكفار.ولا ينقص من أجرها شيء عند اللّه ما بقوا على الطاعة والاستسلام: «وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا» .ذلك أن اللّه أقرب إلى المغفرة والرحمة،فيقبل من العبد أول خطوة،ويرضى منه الطاعة والتسليم،إلى أن يستشعر قلبه الإيمان والطمأنينة: «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
ثم بين لهم حقيقة الإيمان: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا.وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» .
فالإيمان تصديق القلب باللّه وبرسوله.التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب.التصديق المطمئن الثابت المستيقن الذي لا يتزعزع ولا يضطرب،ولا تهجس فيه الهواجس،ولا يتلجلج فيه القلب والشعور.والذي ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل اللّه.فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان واطمأن إليه وثبت عليه،لا بد مندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب.في واقع الحياة.في دنيا الناس.يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان،وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة.ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسه،والصورة الواقعية من حوله.لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة.ومن هنا هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل اللّه بالمال والنفس.فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن.يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه،ليراها ممثلة في واقع الحياة والناس.والخصومة بين المؤمن وبين الحياة الجاهلية من حوله خصومة ذاتية ناشئة من عدم استطاعته حياة مزدوجة بين تصوره الإيماني،وواقعه العملي.وعدم استطاعته كذلك التنازل عن تصوره الإيماني الكامل الجميل المستقيم في سبيل واقعه العملي الناقص الشائن المنحرف.فلا بد من حرب بينه وبين الجاهلية من حوله،حتى تنثني هذه الجاهلية إلى التصور الإيماني والحياة الإيمانية.
«أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» ..الصادقون في عقيدتهم.الصادقون حين يقولون:إنهم مؤمنون.فإذا لم تتحقق تلك المشاعر في القلب،ولم تتحقق آثارها في واقع الحياة،فالإيمان لا يتحقق.والصدق في العقيدة وفي ادعائها لا يكون.
ونقف قليلا أمام هذا الاحتراس المعترض في الآية: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ - ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا - » ..إنه ليس مجرد عبارة.إنما هو لمس لتجربة شعورية واقعية.وعلاج لحالة تقوم في النفس.حتى بعد إيمانها ..
«ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا» وشبيه بها الاحتراس في قوله تعالى .. «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ..ثُمَّ اسْتَقامُوا ..» فعدم الارتياب.والاستقامة على قولة:ربنا اللّه.تشير إلى ما قد يعتور النفس المؤمنة - تحت تأثير