فهرس الكتاب

الصفحة 4153 من 4997

التجارب القاسية،والابتلاء ات الشديدة - من ارتياب ومن اضطراب.وإن النفس المؤمنة لتصطدم في الحياة بشدائد تزلزل،ونوازل تزعزع.والتي تثبت فلا تضطرب،وتثق فلا ترتاب،وتظل مستقيمة موصولة هي التي تستحق هذه الدرجة عند اللّه.

والتعبير على هذا النحو ينبه القلوب المؤمنة إلى مزالق الطريق،وأخطار الرحلة،لتعزم أمرها،وتحتسب،وتستقيم،ولا ترتاب عند ما يدلهم الأفق،ويظلم الجو،وتناوحها العواصف والرياح! ثم يستطرد مع الأعراب يعلمهم أن اللّه أعلم بقلوبهم وما فيها وأنه هو يخبرهم بما فيها ولا يتلقى منهم العلم عنها: « قُلْ:أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ؟ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ،وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..والإنسان يدعي العلم،وهو لا يعلم نفسه،ولا ما يستقر فيها من مشاعر،ولا يدرك حقيقة نفسه ولا حقيقة مشاعره فالعقل نفسه لا يعرف كيف يعمل،لأنه لا يملك مراقبة نفسه في أثناء عمله.وحين يراقب نفسه يكف عن عمله الطبيعي،فلا يبقى هناك ما يراقبه! وحين يعمل عمله الطبيعي لا يملك أن يشغل في الوقت ذاته بالمراقبة! ومن ثم فهو عاجز عن معرفة خاصة ذاته وعن معرفة طريقة عمله! وهو هو الأداة التي يتطاول بها الإنسان! «وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» ..علما حقيقيا.لا بظواهرها وآثارها.ولكن بحقائقها وماهياتها.

وعلما شاملا محيطا غير محدود ولا موقوت.

«وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..بهذا الإجمال الشامل المحيط.

وبعد بيان حقيقة الإيمان التي لم يدركوها ولم يبلغوها،يتوجه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالخطاب عن منّهم عليه بالإسلام وهذا المن ذاته دليل على أن حقيقة الإيمان لم تكن قد استقرت بعد في تلك القلوب،وأن حلاوة الإيمان لم تكن بعد قد تذوقتها تلك الأرواح: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا.قُلْ:لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ.بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ،إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ..

لقد منوا بالإسلام،وزعموا الإيمان.فجاءهم الرد أن لا يمنوا بالإسلام،وأن المنة للّه عليهم لو صدقوا في دعوى الإيمان.ونحن نقف أمام هذا الرد،الذي يتضمن حقيقة ضخمة،يغفل عنها الكثيرون،وقد يغفل عنها بعض المؤمنين ..

إن الإيمان هو كبرى المنن التي ينعم بها اللّه على عبد من عباده في الأرض.إنه أكبر من منة الوجود الذي يمنحه اللّه ابتداء لهذا العبد وسائر ما يتعلق بالوجود من آلاء الرزق والصحة والحياة والمتاع.

إنها المنة التي تجعل للوجود الإنساني حقيقة مميزة وتجعل له في نظام الكون دورا أصيلا عظيما.

وأول ما يصنعه الإيمان في الكائن البشري،حين تستقر حقيقته في قلبه،هو سعة تصوره لهذا الوجود،ولارتباطاته هو به،ولدوره هو فيه وصحة تصوره للقيم والأشياء والأشخاص والأحداث من حوله وطمأنينته في رحلته على هذا الكوكب الأرضي حتى يلقى اللّه،وأنسه بكل ما في الوجود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت