والفقرة الأولى في الآية تتضمن الأمر بإتمام أعمال الحج والعمرة إطلاقا متى بدأ الحاج أو المعتمر فأهلّ بعمرة أو بحج أو بهما معا وتجريد التوجه بهما للّه: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» ..
وقد فهم بعض المفسرين من هذا الأمر أنه إنشاء لفريضة الحج.وفهم بعضهم أنه الأمر بإتمامه متى بدى ء - وهذا هو الأظهر - فالعمرة ليست فريضة عند الجميع ومع هذا ورد الأمر هنا بإتمامها كالحج.مما يدل على أن المقصود هو الأمر بالإتمام لا إنشاء الفريضة بهذا النص.ويؤخذ من هذا الأمر كذلك أن العمرة - ولو أنها ابتداء ليست واجبة - إلا أنه متى أهل بها المعتمر فإن إتمامها يصبح واجبا.والعمرة كالحج في شعائرها ما عدا الوقوف بعرفة.والأشهر أنها تؤدى على مدار العام.وليست موقوتة بأشهر معلومات كالحج.
ويستدرك من هذا الأمر العام بإتمام الحج والعمرة حالة الإحصار.من عدو يمنع الحاج والمعتمر من إكمال الشعائر - وهذا متفق عليه - أو من مرض ونحوه يمنع من إتمام أعمال الحج والعمرة - واختلفوا في تفسير الإحصار بالمرض والراجح صحته: «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» ..
وفي هذه الحالة ينحر الحاج أو المعتمر ما تيسر له من الهدي ويحل من إحرامه في موضعه الذي بلغه.
ولو كان لم يصل بعد إلى المسجد الحرام ولم يفعل من شعائر الحج والعمرة إلا الإحرام عند الميقات (وهو المكان الذي يهل منه الحاج أو المعتمر بالحج أو العمرة أو بهما معا،ويترك لبس المخيط من الثياب،ويحرم عليه حلق شعره أو تقصيره أو قص أظافره كما يحرم عليه صيد البر وأكله ...)
وهذا ما حدث في الحديبية عند ما حال المشركون بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المسلمين دون الوصول إلى المسجد الحرام،سنة ست من الهجرة ثم عقدوا معه صلح الحديبية،على أن يعتمر في العام القادم.فقد ورد أن هذه الآية نزلت وأن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أمر المسلمين الذين معه أن ينحروا في الموضع الذي بلغوا إليه ويحلوا من إحرامهم فتلبثوا في تنفيذ الأمر،وشق على نفوسهم أن يحلوا قبل أن يبلغ الهدي محله - أي مكانه الذي ينحر فيه عادة - حتى نحر النبي - صلى الله عليه وسلم - هديه أمامهم وأحل من إحرامه ..ففعلوا [1] ..
وما استيسر من الهدي،أي ما تيسر،والهدي من النعم،وهي الإبل والبقر والغنم والمعز،ويجوز أن يشترك عدد من الحجاج في بدنة أي ناقة أو بقرة،كما اشترك كل سبعة في بدنة في عمرة الحديبية،فيكون هذا هو ما استيسر ويجوز أن يهدي الواحد واحدة من الضأن أو المعز فتجزئ.
والحكمة من هذا الاستدراك في حالة الإحصار بالعدو كما وقع في عام الحديبية،أو الإحصار بالمرض،هي التيسير،فالغرض الأول من الشعائر هو استجاشة مشاعر التقوى والقرب من اللّه،والقيام بالطاعات المفروضة.فإذا تم هذا،ثم وقف العدو أو المرض أو ما يشبهه في الطريق فلا يحرم الحاج أو
(1) - يراجع تفصيل هذا في تفسير سورة الفتح في الجزء السادس والعشرين. ( السيد رحمه الله )