الهائل وغايته ..فإدراك حقيقة هذا الكون من أي طرف من أطرافها كفيل بالإيمان بالخالق.وكفيل كذلك بالإيمان بالآخرة.نفيا للعبث عن هذا الخالق العظيم الذي يبدع هذا الكون الكبير.ومن ثم يجب الإعراض عمن يتولى عن ذكر اللّه ويقف عند حدود الدنيا،الإعراض على سبيل صيانة الاهتمام أن يبذل في غير موضعه والإعراض على سبيل التهوين والاحتقار لمن هذا مبلغ علمه.ونحن مأمورون بهذا إن أردنا أن نتلقى أمر اللّه لنطيعه.لا لنقول كما قالت يهود:سمعنا وعصينا ..والعياذ باللّه من هذا! «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى » ..
وقد علم أن هؤلاء ضالون.فلم يرد لنبيه ولا للمهتدين من أمته أن يشغلوا أنفسهم بشأن الضالين.ولا أن يصاحبوهم.ولا أن يحفلوهم.ولا أن يخدعوا في ظاهر علمهم المضلل القاصر،الذي يقف عند حدود الحياة الدنيا.ويحول بين الإدراك البشري والحقيقة الخالصة،التي تقود من يدركها إلى الإيمان باللّه،والإيمان بالآخرة،وتتخطى به حدود هذه الأرض القريبة،وهذه الحياة الدنيا المحدودة.
وإن العلم الذي يبلغه هؤلاء القاصرون الضالون ليبدو في أعين العوام وأشباههم،عوام القلب والإدراك والحس،شيئا عظيما ذا فاعلية وأثر في واقع الحياة الدنيا.ولكن هذا لا ينفي صفة الضلال عنهم في النهاية،ولا صفة الجهل والقصور.فحقيقة الارتباط بين هذا الوجود وخالقه.وحقيقة الارتباط بين عمل الإنسان وجزائه.
هاتان الحقيقتان ضروريتان لكل علم حق.وبدونهما يبقى العلم قشورا لا تؤثر في حياة الإنسان ولا ترقيها ولا ترفعها.وقيمة كل علم مرهونة بأثره في النفس وفي ارتباطات البشر الأدبية.وإلا فهو تقدم في الآلات وانتكاس في الآدميين.وما أبأسه من علم هذا الذي ترتقي فيه الآلات على حساب الآدميين!!! وشعور الإنسان بأن له خالقا خلقه وخلق هذا الكون كله،وفق ناموس واحد متناسق.يغير من شعوره بالحياة،وشعوره بما حوله وبمن حوله ويجعل لوجوده قيمة وهدفا وغاية أكبر وأشمل وأرفع،لأن وجوده مرتبط بهذا الكون كله فهو أكبر من ذاته المعدودة الأيام.وأكبر من أسرته المعدودة الأفراد وأكبر من قومه،وأكبر من وطنه وأكبر من طبقته التي يطنطن بها أصحاب المذاهب المادية الحديثة.وأرفع من اهتمامات هذه التشكيلات جميعا! وشعور الإنسان بأن خالقه محاسبه في الآخرة ومجازيه.يغير من تصوراته ومن موازينه ومن حوافزه ومن أهدافه.ويربط الحاسة الأخلاقية في نفسه بمصيره كله،فيزيدها قوة وفاعلية.لأن هلاكه أو نجاته مرهونة بيقظة هذه الحاسة وتأثيرها في نيته وعمله.ومن ثم يقوى «الإنسان» ويسيطر على تصرفات هذا الكائن.لأن الرقيب الحارس قد استيقظ! ولأن الحساب الختامي ينتظره هناك.ومن الناحية الأخرى فهو مطمئن إلى الخير واثق من انتصاره في الحساب الختامي.حتى لو رآه ينهزم في الأرض في بعض الجولات! وهو مكلف دائما أن ينصر الخير ويكافح في سبيله سواء هزم في هذه الأرض أم انتصر لأن الجزاء النهائي هناك! إنها مسألة كبيرة هذا الإيمان باللّه والإيمان بالآخرة.مسألة أساسية في حياة البشر.إنها حاجة أكبر من حاجات الطعام