فهرس الكتاب

الصفحة 4225 من 4997

والشراب والكساء.وإنها إما أن تكون فيكون «الإنسان» وإما ألا تكون فهو حيوان من ذلك الحيوان! وحين تفترق المعايير والأهداف والغايات وتصور الحياة كلها هذا الاختلاف ،فلا مجال جينئذ إلى مشاركة أو تعامل أو حتى تعارف ينشأ عنه قسط من الاهتمام.

ومن ثم لا يمكن أن تقوم علاقة أو صحبة أو شركة أو تعاون،أو أخذ وعطاء،أو اهتمام واحتفال بين مؤمن باللّه،وآخر أعرض عن ذكره ولم يرد إلا الحياة الدنيا.وكل قول غير هذا فهو محال ومراء،يخالف عن أمر اللّه: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا» ..

«وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» ..

وهذا التقرير لملكية اللّه - وحده - لما في السماوات وما في الأرض،يمنح قضية الآخرة قوة وتأثيرا.فالذي جعل الآخرة وقدرها هو الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض وحده،فهو القادر على الجزاء،المختص به،المالك لأسبابه.ومن شأن هذه الملكية أن تحقق الجزاء الكامل العادل: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» ..

ثم يحدد الذين أحسنوا هؤلاء،والذين يجزيهم بالحسنى ..فهم: « الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ.إِلَّا اللَّمَمَ» ..وكبائر الإثم هي كبار المعاصي.والفواحش كل ما عظم من الذنب وفحش.واللمم تختلف الأقوال فيه.فابن كثير يقول:وهذا استثناء منقطع لأن اللمم من صغار الذنوب ومحقرات الأعمال.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا،أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ،وَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ،وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ،وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي،وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ،أَوْ يُكَذِّبُهُ [1] .

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: { إِلَّا اللَّمَمَ } [النجم:32] قَالَ:"زِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا الشَّفَتَيْنِ التَّقْبِيلُ، وَزِنَا الْيَدَيْنِ الْبَطْشُ،وَزِنَا الرِّجْلَيْنِ الْمَشْيُ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرَجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ بِفَرْجِهِ كَانَ زَانِيًا، وَإِلَّا فَهُوَ اللَّمَمُ" [2] .وكذا قال مسروق والشعبي [3] .

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [3 /130] (7719) 7705 وصحيح البخارى- المكنز [20 /474] (6243 )

(2) - شعب الإيمان [9 /277] (6659 ) صحيح

قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:فَثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وجُوبُ التَّوْبَةِ إِلَى اللهِ عَلَى كُلِّ مُذْنِبٍ، وَإِسْرَاعُ الْقَلْبِ وَالْإِنَابَةِ، وَأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عَبْدِهِ وَلَا يَرُدُّهَا عَلَيْهِ، وَالتَّوْبَةُ هِيَ الرَّجْعَةُ، وَمَعْنَى تَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى:أَيْ رَجَعَ إِلَى اللهِ، فَتَرَكَ نُزُوَعَهُ عَنِ الْعِصْيَانِ، وَعَوْدَةٌ إِلَى الطَّاعَةِ رَجْعَةٌ، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالتَّوْبَةِ قَالَ:وَحَدُّ التَّوْبَةِ الْقِطَعُ لِلْمَعْصِيَةِ فِي الْحَالِ إِنْ كَانَتْ دَائِمَةً، وَالنَّدَمُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهَا، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعُودِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الذَّنْبُ تَرْكَ صَلَاةٍ فَإِنَّ التَّوْبَةَ لَا تَصِحُّ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَى النَّدَمِ قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنْهَا، وَهَكَذَا إِنْ كَانَ تَرَكَ صَوْمًا، أَوْ تَفْرِيطًا فِي زَكَاةٍ، إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُثْرِيًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَتْلَ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْقِصَاصِ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَكَانَ مَطْلُوبًا بِهِ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ بِمَالٍ وَكَانَ وَاجِدًا لَهُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَذْفًا يُوجِبُ الْحَدَّ فَأَنْ يَبْذُلَ ظَهْرَهُ لِلْحَدِّ إِنْ كَانَ مَطْلُوبًا بِهِ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ كَفَاهُ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعُودِ بِإِخْلَاصٍ، وَإِنْ كَانَ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى فَإِذَا تَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالتَّنَدُّمِ الصَّحِيحِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْإِمَامِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِنْ رُفِعَ إِلَى الْإِمَامِ ثُمَّ قَالَ:قَدْ تُبْتُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ، قُلْتُ:وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْمُحَارِبِينَ، وَقَدْ عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ الْقَوْلَ فِيهِ فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَ الِاسْتِثْنَاءَ بِالتَّوْبَةِ فِي الْمُحَارِبِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ"."

(3) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [7 /460]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت