وعن أبي هريرة -أراه رفعه-: { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ } قال:"اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمة من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود"، قال:"ذلك الإلمام" [1] .
وعن الحسن في قول الله: { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ } قال:اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ثم لا يعود. [2]
وعن الحسن في قول الله: { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ } قال:كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون:هو الرجل يصيب اللمة من الزنا، واللمة من شرب الخمر، فيجتنبها ويتوب منها. [3]
فهذه طائفة أخرى من الأقوال تحدد معنى اللمم تحديدا غير الأول.
والذي نراه أن هذا القول الأخير أكثر تناسبا مع قوله تعالى بعد ذلك: «إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ» ..فذكر سعة المغفرة يناسب أن يكون اللمم هو الإتيان بتلك الكبائر والفواحش،ثم التوبة.ويكون الاستثناء غير منقطع.ويكون الذين أحسنوا هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش.إلا أن يقعوا في شيء منها ثم يعودوا سريعا ولا يلجوا ولا يصروا.كما قال اللّه سبحانه: «وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ - وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ - وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» ..وسمى هؤلاء «المتقين» ووعدهم مغفرة وجنة عرضها السماوات والأرض {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (133) سورة آل عمران ..فهذا هو الأقرب إلى رحمة اللّه ومغفرته الواسعة.
وختم الآية بأن هذا الجزاء بالسوأى وبالحسنى مستند إلى علم اللّه بحقيقة دخائل الناس في أطوارهم كلها. «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ،وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ» ..فهو العلم السابق على ظاهر أعمالهم.العلم المتعلق بحقيقتهم الثابتة،التي لا يعلمونها هم،ولا يعرفها إلا الذي خلقهم.علم كان وهو ينشئ أصلهم من الأرض وهم بعد في عالم الغيب.وكان وهم أجنة في بطون أمهاتهم لم يروا النور بعد.علم بالحقيقة قبل الظاهر.وبالطبيعة قبل العمل.
ومن كانت هذه طبيعة علمه يكون من اللغو - بل من سوء الأدب - أن يعرّفه إنسان بنفسه،وأن يعلمه - سبحانه - بحقيقته! وأن يثني على نفسه أمامه يقول له:أنا كذا وأنا كذا: «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى » ..فما هو بحاجة إلى أن تدلوه على أنفسكم،ولا أن تزنوا له أعمالكم فعنده العلم الكامل.وعنده الميزان الدقيق.وجزاؤه العدل.وقوله الفصل.وإليه يرجع الأمر كله.
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [22 /535] وفيه انقطاع
(2) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [22 /535] صحيح
(3) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [22 /535] صحيح