فهرس الكتاب

الصفحة 4239 من 4997

تَبْكُونَ.وَأَنْتُمْ سامِدُونَ؟».فلما سمعت: «فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا» ..كانت الرجفة قد سرت من قلبي حقا إلى أوصالي.واستحالت رجفة عضلية مادية ذات مظهر مادي،لم أملك مقاومته.فظل جسمي كله يختلج،ولا أتمالك أن أثبته،ولا أن أكفكف دموعا هاتنة،لا أملك احتباسها مع الجهد والمحاولة! وأدركت في هذه اللحظة أن حادث السجود صحيح،وأن تعليله قريب.إنه كامن في ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن،ولهذه الإيقاعات المزلزلة في سياق هذه السورة.ولم تكن هذه أول مرة أقرأ فيها سورة النجم أو أسمعها.ولكنها في هذه المرة كان لها هذا الوقع،وكانت مني هذه الاستجابة ..وذلك سر القرآن ..

فهناك لحظات خاصة موعودة غير مرقوبة تمس الآية أو السورة فيها موضع الاستجابة وتقع اللمسة التي تصل القلب بمصدر القوة فيها والتأثير.فيكون منها ما يكون! لحظة كهذه مست قلوب الحاضرين يومها جميعا.ومحمد - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه السورة يقرؤها بكيانه كله.ويعيش في صورها التي عاشها من قبل بشخصه.وتنصب كل هذه القوة الكامنة في السورة من خلال صوت محمد - صلى الله عليه وسلم - في أعصاب السامعين.فيرتجفون ويسمعون: «فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا» ويسجد محمد والمسلمون ..فيسجدون ..

ولقد يقال:إنك تقيس على لحظة مرت بك،وتجربة عانيتها أنت.وأنت مسلم.تعتقد بهذا القرآن،وله في نفسك تأثير خاص ..وأولئك كانوا مشركين يرفضون الإيمان ويرفضون القرآن!

ولكن هنالك اعتبارين لهما وزنهما في مواجهة هذا الذي يقال:

الاعتبار الأول:أن الذي كان يقرأ السورة كان هو محمد - صلى الله عليه وسلم - النبي.الذي تلقى هذا القرآن مباشرة من مصدره.وعاشه وعاش به.وأحبه حتى لكان يثقل خطاه إذا سمع من يرتله داخل داره،ويقف إلى جانب الباب يسمع له حتى ينتهي! وفي هذه السورة بالذات كان يعيش لحظات عاشها في الملأ الأعلى.وعاشها مع الروح الأمين وهو يراه على صورته الأولى ..فأما أنا فقد كنت أسمع السورة من قارئ.والفارق ولا شك هائل!

والاعتبار الثاني:أن أولئك المشركين لم تكن قلوبهم ناجية من الرعشة والرجفة،وهم يستمعون إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - إنما كان العناد المصطنع هو الذي يحول بينهم وبين الإذعان ..والحادثان التاليان شاهد على ما كان يخالج قلوبهم من الارتعاش.

عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ:وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى:دَنَا فَتَدَلَّى قَالَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ:أَنَا أَكْفُرُ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى فَقَالَ:يَعْنِي النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -:"اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ"فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْأَسَدُ فَافْتَرَسَهُ" [1] "

(1) - مُعْجَمُ الصِّحَابِةِ لِابْنِ قَانِعٍ ( 1901 ) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت