فهرس الكتاب

الصفحة 4285 من 4997

..فكأنما هذا الهول كله مقدمة،لا يذكر نتأبحها،لأن نتأبحها أهول من أن يحيط بها اللفظ،أو تعبر عنها العبارة! هذا الأسلوب الخاص يتناسب مع الصورة المروّعة المفزّعة التي يرسمها هذا المطلع بذاته.فالواقعة بمعناها وبجرس اللفظ ذاته - بما فيه من مدّ ثم سكون - تلقى في الحس كأنما هي ثقل ضخم ينقض من عل ثم يستقر،لغير ما زحزحة بعد ذلك ولا زوال! «لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ» ..

ثم إن سقوط هذا الثقل ووقوعه،كأنما يتوقع له الحس أرجحة ورجرجة يحدثها حين يقع.ويلبي السياق هذا التوقع فإذا هي: «خافِضَةٌ رافِعَةٌ» ..وإنها لتخفض أقدارا كانت رفيعة في الأرض،وترفع أقدارا كانت خفبضة في دار الفناء،حيث تختل الاعتبارات والقيم ثم تستقيم في ميزان اللّه.

ثم يتبدى الهول في كيان هذه الأرض.الأرض الثابتة المستقرة فيما يحس الناس.فإذا هي ترج رجا - وهي حقيقة تذكر في التعبير الذي يتسق في الحس مع وقع الواقعة - ثم إذا الجبال الصلبة الراسية تتحول - تحت وقع الواقعة - إلى فتات يتطاير كالهباء .. «وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا.فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا» ..فما أهول هذا الهول الذي يرج الأرض رجا،ويبس الجبال بسا،ويتركها هباء منبثا.وما أجهل الذين يتعرضون له وهم مكذبون بالآخرة،مشركون باللّه،وهذا أثره في الأرض والجبال! وهكذا تبدأ السورة بما يزلزل الكيان البشري،ويهول الحس الإنساني،تجاه القضية التي ينكرها المنكرون ،ويكذب بها المشركون.وينتهي هذا المشهد الأول للواقعة لنشهد آثارها في الخفض والرفع،وفي أقدار البشر ومصائرهم الأخيرة: «وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً.فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ.ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ؟ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ.ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ؟ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ...»

ونجد الناس هنا أصنافا ثلاثة - لا صنفين اثنين كما هو السائد في مشاهد الاستعراض القرآنية - ويبدأ بالحديث عن أصحاب الميمنة - أو أصحاب اليمين - ولكنه لا يفصل عنهم الحديث إنما يصفهم باستفهام عنهم للتهويل والتضخيم: «فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ.ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ؟» .وكذلك يذكر أصحاب المشأمة بنفس الأسلوب.

ثم يذكر الفريق الثالث،فريق السابقين،يذكرهم فيصفهم بوصفهم: «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ» ..كأنما ليقول إنهم هم هم.وكفى.فهو مقام لا يزيده الوصف شيئا! ومن ثم يأخذ في بيان قدرهم عند ربهم،وتفصيل ما أعده من النعيم لهم،وتعديد أنواعه التي يمكن أن يدركها حس المخاطبين،وتتناوله معارفهم وتجاربهم: « أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ.فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ.وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ.عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ.مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ.يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ.بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ.لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ.وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ.وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ.وَحُورٌ عِينٌ.كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ.جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا.إِلَّا قِيلًا:سَلامًا سَلامًا» ..

إنه يبدأ في بيان هذا النعيم،بالنعيم الأكبر.النعيم الأسنى.نعيم القرب من ربهم: «أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ» ..وجنات النعيم كلها لا تساوي ذلك التقريب،ولا تعدل ذلك النصيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت