فهرس الكتاب

الصفحة 4337 من 4997

وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ [المجادلة] ،إِلَى قَوْلِهِ: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة] ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً،قَالَتْ:وَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،مَا عِنْدَهُ مَا يَعْتِقُ،قَالَ:فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ،قَالَتْ:فَقُلْتُ:وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ،مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ،قَالَ:فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ،فَقُلْتُ:وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ،مَا ذَلِكَ عِنْدَهُ،قَالَتْ:فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:فَإِنَّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ،قَالَتْ:فَقُلْتُ:وَأَنَا يَا رَسُولَ اللهِ سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ،فَقَالَ:أَصَبْتِ،وَأَحْسَنْتِ،فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ،ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا،قَالَتْ:فَفَعَلْتُ. [1]

فهذا هو الشأن الذي سمع اللّه ما دار فيه من حوار بين رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - والمرأة التي جاءت تجادله فيه.وهذا هو الشأن الذي أنزل اللّه فيه حكمه من فوق سبع سماوات،ليعطي هذه المرأة حقها،ويريح بالها وبال زوجها،ويرسم للمسلمين الطريق في مثل هذه المشكلة العائلية اليومية! وهذا هو الشأن الذي تفتتح به سورة من سور القرآن:كتاب اللّه الخالد،الذي تتجاوب جنبات الوجود بكل كلمة من كلماته،وهي تتنزل من الملأ الأعلى ..تفتتح بمثل هذا الإعلان: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها ...» فإذا اللّه حاضر هذا الشأن الفردي لامرأة من عامة المسلمين،لا يشغله عن سماعه تدبيره لملكوت السماوات والأرض ولا يشغله عن الحكم فيه شأن من شؤون السماوات والأرض! وإنه لأمر ..إنه لأمر أن يقع مثل هذا الحادث العجيب،وأن تشعر جماعة من الناس أن اللّه هكذا معها،حاضر شؤونها،جليلها وصغيرها،معنيّ بمشكلاتها اليومية،مستجيب لأزماتها العادية ..وهو اللّه ..الكبير المتعال،العظيم الجليل،القهار المتكبر،الذي له ملك السماوات والأرض وهو الغني الحميد.

عَنْ عَائِشَةَ،قَالَتْ:الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ،لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ،مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ:فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [2] .

وفي رواية خولة - أو خويلة للتصغير والتدليل - للحادث،وتصرفها هي فيه،وذهابها إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ومجادلتها له،ونزول القرآن بالحكم ..في هذا كله صورة من حياة تلك الجماعة الفريدة في تلك الفترة العجيبة.وشعورها بتلك الصلة المباشرة،وانتظارها التوجيه من السماء في كل شأن من شؤونها واستجابة السماء لهذا الانتظار،الذي يجعل الجماعة كلها - عيال اللّه - هو يرعاها وهي تتطلع إليه تطلع الطفل الصغير لأبيه وراعيه! وننظر في رواية الحادث في النص القرآني،فنجد عناصر التأثير والإيحاء والتربية والتوجيه تسير جنبا إلى جنب مع الحكم وتتخلله وتعقب عليه،كما هو أسلوب القرآن الفريد: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ،وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما،إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» ..

(1) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [10 /107] (4279) صحيح

(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) [8 /47] (24195) 24699 صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت