الْعِقابِ.لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ،يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا،وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ،أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ،وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا،وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ:رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ،وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا.رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» ..
وهذه الآيات التي تبين حكم اللّه في هذا الفيء وأمثاله،تحوي في الوقت ذاته وصفا لأحوال الجماعة المسلمة في حينها كما تقرر طبيعة الأمة المسلمة على توالي العصور،وخصائصها المميزة التي تترابط بها وتتماسك على مدار الزمان،لا ينفصل فيها جيل،ولا قوم عن قوم،ولا نفس عن نفس،في الزمن المتطاول بين أجيالها المتعاقبة في جميع بقاع الأرض.وهي حقيقة ضخمة كبيرة ينبغي الوقوف أمامها طويلا في تدبر عميق ..
«وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ،وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ،وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .والإيجاف:الركض والإسراع.والركاب:الجمال.والآية تذكر المسلمين أن هذا الفيء الذي خلفه وراءهم بنو النضير لم يركضوا هم عليه خيلا،ولم يسرعوا إليه ركبا،فحكمه ليس حكم الغنيمة التي أعطاهم اللّه أربعة أخماسها،واستبقى خمسها فقط للّه والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.والرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يتصرف فيه كله في هذه الوجوه.وذو القربى المذكورون في الآيتين هم قرابة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن كانت الصدقات لا تحل لهم،فليس لهم في الزكاة نصيب،وأن كان النبي لا يورث فليس لذوي قرابته من ماله شيء.وفيهم الفقراء [1] الذين لا مورد لهم.فجعل لهم من خمس الغنائم نصيبا،كما جعل لهم من هذا الفيء وأمثاله نصيبا.فأما بقية الطوائف والمصارف فأمرها معروف.والرسول - صلى الله عليه وسلم - هو المتصرف فيها.
هذا هو حكم الفيء تبينه الآيات.ولكنها لا تقتصر على الحكم وعلته القريبة.إنما تفتح القلوب على حقيقة أخرى كبيرة: «وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ» ..فهو قدر اللّه.وهم طرف من هذا القدر يسلطه على من يشاء. «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..
بهذا يتصل شأن الرسل بقدر اللّه المباشر ويتحدد مكانهم في دولاب القدر الدوار.ويتبين أنهم - ولو أنهم بشر - متصلون بإرادة اللّه ومشيئته اتصالا خاصا،يجعل لهم دورا معينا في تحقيق قدر اللّه في الأرض،بإذن اللّه وتقديره.فما يتحركون بهواهم،وما يأخذون أو يدعون لحسابهم.وما يغزون أو يقعدون،وما يخاصمون أو يصالحون،إلا لتحقيق جانب من قدر اللّه في الأرض منوط بهم وبتصرفاتهم وتحركاتهم في هذه الأرض.
(1) - هناك خلاف فقهي. هل الفقراء من قرابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هم المستحقون أم جميعهم والراجح جميعهم. ( السيد رحمه الله )