واللّه هو الفاعل من وراء ذلك كله.وهو على كل شيء قدير .. «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ..كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ.وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ.وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» .
وتبين هذه الآية الحكم الذي أسلفنا تفصيلا.ثم تعلل هذه القسمة فتضع قاعدة كبرى من قواعد التنظيم الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع الإسلامي: «كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ» ..كما تضع قاعدة كبرى في التشريع الدستوري للمجتمع الإسلامي: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» ..
ولو أن هاتين القاعدتين جاءتا بمناسبة هذا الفيء وتوزيعه،إلا أنهما تتجاوزان هذا الحادث الواقع إلى آماد كثيرة في أسس النظام الاجتماعي الإسلامي.
والقاعدة الأولى،قاعدة التنظيم الاقتصادي،تمثل جانبا كبيرا من أسس النظرية الاقتصادية في الإسلام.فالملكية الفردية معترف بها في هذه النظرية.ولكنها محددة بهذه القاعدة.قاعدة ألا يكون المال دولة بين الأغنياء،ممنوعا من التداول بين الفقراء.فكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم هو وضع يخالف النظرية الاقتصادية الإسلامية كما يخالف هدفا من أهداف التنظيم الاجتماعي كله.وجميع الارتباطات والمعاملات في المجتمع الإسلامي يجب أن تنظم بحيث لا تخلق مثل هذا الوضع أو تبقي عليه إن وجد.
ولقد أقام الإسلام بالفعل نظامه على أساس هذه القاعدة.ففرض الزكاة.وجعل حصيلتها في العام اثنين ونصفا في المائة من أصل رؤوس الأموال النقدية،وعشرة أو خمسة في المائة من جميع الحاصلات.وما يعادل ذلك في الأنعام.وجعل الحصيلة في الركاز وهو كنوز الأرض مثلها في المال النقدي.وهي نسب كبيرة.
ثم جعل أربعة أخماس الغنيمة للمجاهدين فقراء وأغنياء بينما جعل الفيء كله للفقراء.وجعل نظامه المختار في إيجار الأرض هو المزارعة [1] - أي المشاركة في المحصول الناتج بين صاحب الأرض وزارعها.وجعل للإمام الحق في أن يأخذ فضول أموال الأغنياء فيردها على الفقراء.وأن يوظف في أموال الأغنياء عند خلو بيت المال.
وحرم الاحتكار.وحظر الربا.وهما الوسيلتان الرئيسيتان لجعل المال دولة بين الأغنياء.
وعلى الجملة أقام نظامه الاقتصادي كله بحيث يحقق تلك القاعدة الكبرى التي تعد قيدا أصيلا على حق الملكية الفردية بجانب القيود الأخرى [2] .
(1) - يوجد خلاف فقهي ولكن الراجح الظاهر هو الذي أثبتناه. ( السيد رحمه الله )
(2) - يراجع فصل سياسة المال في كتاب:العدالة الاجتماعية في الإسلام. «دار الشروق» ( السيد رحمه الله )