فهرس الكتاب

الصفحة 4415 من 4997

العالم المتمدين على شفا جرف هار من الفوضى.لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت،ولم يك ثم ما يعتد به مما يقوم مقامها.وكان يبدو إذ ذاك أن المدنية الكبرى التي تكلف بناؤها أربعة آلافسنة،مشرفة على التفكك والانحلال وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية،إذ القبائل تتحارب وتتناحر،لا قانون ولا نظام.أما النظم التي خلقتها المسيحية فكانت تعمل على الفرقة والانهيار بدلا من الاتحاد والنظام.وكانت المدنية،كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله،واقفة تترنح وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب ...وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي واحد العالم جميعه » [1] ..

وهذه الصورة مأخوذة من زاوية النظر لكاتب أوربي.وهي من زاوية النظر الإسلامية أشد عتاما وظلاما! وقد اختار اللّه - سبحانه - تلك الأمة البدوية في شبه الجزيرة الصحراوية لتحمل هذا الدين،بما علم في نفوسها وفي ظروفها من قابلية للاستصلاح وذخيرة مرصودة للبذل والعطاء.فأرسل فيهم الرسول يتلو عليهم آيات اللّه ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

«وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ،وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..وهؤلاء الآخرون وردت فيهم روايات متعددة ..روى الإمام البخاري - رحمه اللّه تعالى - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) قَالَ قُلْتُ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ ثَلاَثًا،وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِىُّ،وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ « لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ - أَوْ رَجُلٌ - مِنْ هَؤُلاَءِ » [2] .فهذا يشير إلى أن هذا النص يشمل أهل فارس.

ولهذا قال مجاهد في هذه الآية:هم الأعاجم وكل من صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير العرب.

وروى ابن أبي حاتم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ فِي أَصْلابِ أَصْلابِ أَصْلابِ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي، رِجَالًا وَنِسَاءً مِنْ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثِمَّ قَرَأَ:"وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ""، يَعْنِي بَقَيَّةَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - [3] ..

وكلا القولين يدخل في مدلول الآية.فهي تدل على آخرين غير العرب.وعلى آخرين غير الجيل الذي نزل فيه القرآن.وتشير إلى أن هذه الأمة موصولة الحلقات ممتدة في شعاب الأرض وفي شعاب الزمان،تحمل هذه الأمانة الكبرى،وتقوم على دين اللّه الأخير.

(1) - للكاتب ج. ه. دنيسون في كتاب:العواطف كأساس للحضارة .. نقلا عن كتاب:الإسلام والنظام العالمي الجديد تأليف مولاي محمد علي وترجمة الأستاذ أحمد جودة السحار. ( السيد رحمه الله )

(2) - صحيح البخارى- المكنز [16 /245] (4897 ) وصحيح مسلم- المكنز [16 /363] (6662 )

(3) - تفسير ابن أبي حاتم [12 /311] صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت