فهرس الكتاب

الصفحة 4414 من 4997

جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي .قَالَتْ:ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَدَعَاهُمْ فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا،ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ ؟ قَالُوا:نَقُولُ وَاللَّهِ مَا عَلَّمَنَا،وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - ، كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ .فَلَمَّا جَاؤُوهُ،وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ،فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ،سَأَلَهُمْ فَقَالَ:مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ،وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي وَلاَ فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الأُمَمِ ؟ قَالَتْ:فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ،فَقَالَ لَهُ:أَيُّهَا الْمَلِكُ،كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ،وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ،وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ،وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ،فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ،وَصِدْقَهُ،وَأَمَانَتَهُ،وَعَفَافَهُ،فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ،وَنَعْبُدَهُ،وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ،وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ،وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ،وَصِلَةِ الرَّحِمِ،وَحُسْنِ الْجِوَارِ ،وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ،وَالدِّمَاءِ،وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ،وَقَوْلِ الزُّورِ،وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ،وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ،وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا،وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ،وَالزَّكَاةِ،وَالصِّيَامِ،قَالَ:فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الإِِسْلامِ،فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ،فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ،فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا،وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا،وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا،فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا،فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ،وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الخَبَائِثِ،فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا،وَشَقُّوا عَلَيْنَا،وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا،خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ،وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ،وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ،وَرَجَوْنَا أَنْ لاَ نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ،قَالَتْ:فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ:هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالَتْ:فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ:نَعَمْ،فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ:فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ،فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ كهيعص،قَالَتْ:فَبَكَى وَاللَّهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ،وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تَلا عَلَيْهِمْ،ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ:إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ،انْطَلِقَا فَوَاللَّهِ لاَ أُسْلِمُهُمِ الَيْكُمِ ابَدًا،وَلاَ أُكَادُ ... [1] ..

ومع كل ما كانوا عليه في الجاهلية من ضلال فقد علم اللّه أنهم هم حملة هذه العقيدة الأمناء عليها،بما علم في نفوسهم من استعداد للخير والصلاح ومن رصيد مذخور للدعوة الجديدة وقد فرغت منه نفوس اليهود التي أفسدها الذل الطويل في مصر،فامتلأت بالعقد والالتواءات والانحرافات،ومن ثم لم تستقم أبدا بعد ذلك،لا في حياة موسى عليه السلام،ولا من بعده.حتى كتب اللّه عليهم لعنته وغضبه،وانتزع من أيديهم أمانة القيام على دينه في الأرض إلى يوم القيامة.

وعلم اللّه أن الجزيرة في ذلك الأوان هي خير مهد للدعوة التي جاءت لتحرير العالم كله من ضلال الجاهلية،ومن انحلال الحضارة في الامبراطوريات الكبيرة،التي كان سوس الانحلال قد نخر فيها حتى اللباب! هذه الحالة التي يصفها كاتب أوربي حديث فيقول:«ففي القرنين الخامس والسادس كان

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [1 /539] ( 1740) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت