فهرس الكتاب

الصفحة 4454 من 4997

وهذا أول تنبيه - بعد وهلة النداء الأول - وأول تحذير من اللّه وتقديم تقواه.قبل الأمر بعدم إخراجهن من بيوتهن - وهي بيوت أزواجهن ولكنه يسميها بيوتهن لتوكيد حقهن في الإقامة بها فترة العدة - لا يخرجن منها ولا يخرجن،إلا في حالة وقوع فاحشة ظاهرة منهن.وقد ورد أن هذه الفاحشة قد تكون الزنا فتخرج للحد:وقد تكون إيذاء أهل الزوج.وقد تكون هي النشوز على الزوج - ولو أنه مطلق - وعمل ما يؤذيه.

ذلك أن الحكمة من إبقاء المطلقة في بيت الزوج هي إتاحة الفرصة للرجعة،واستثارة عواطف المودة،وذكريات الحياة المشتركة.حيث تكون الزوجة بعيدة بحكم الطلاق قريبة من العين فيفعل هذا في المشاعر فعله بين الاثنين! فأما حين ترتكس في حمأة الزنا وهي في بيته! أو تؤذي أهله،أو تنشز عليه،فلا محل لاستحياء المشاعر الطيبة،واستجاشة المودة الدفينة.ولا حاجة إلى استبقائها في فترة العدة.فإن قربها منه حينذاك يقطع الوشائج ولا يستحييها!

«وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ.وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» ..وهذا هو التحذير الثاني.فالحارس لهذا الحكم هو اللّه.فأي مؤمن إذن يتعرض لحد يحرسه اللّه؟! إنه الهلاك والبوار .. «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» ..ظلم نفسه لتعريضها هكذا لبأس اللّه القائم على حدوده يحرسها ويرعاها.وظلم نفسه بظلم زوجه.وهي وهو من نفس واحدة،فما يظلمها يظلمه كذلك بهذا الاعتبار ..ثم ..

«لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا» .وهي لمسة موحية مؤثرة.فمن ذا الذي يعلم غيب اللّه وقدره المخبوء وراء أمره بالعدة،وأمره ببقاء المطلقات في بيوتهن ..إنه يلوح هناك أمل،ويوصوص هناك رجاء.وقد يكون الخير كله.وقد تتغير الأحوال وتتبدل إلى هناءة ورضى.فقدر اللّه دائم الحركة،دائم التغيير،ودائم الأحداث.والتسليم لأمر اللّه أولى،والرعاية له أوفق،وتقواه ومراقبته فيها الخير يلوح هناك! والنفس البشرية قد تستغرقها اللحظة الحاضرة،وما فيها من أوضاع وملابسات،وقد تغلق عليها منافذ المستقبل،فتعيش في سجن اللحظة الحاضرة،وتشعر أنها سرمد،وأنها باقية،وأن ما فيها من أوضاع وأحوال سيرافقها ويطاردها ..وهذا سجن نفسي مغلق مفسد للأعصاب في كثير من الأحيان.

وليست هذه هي الحقيقة.فقدر اللّه دائما يعمل،ودائما يغير،ودائما يبدل،ودائما ينشئ ما لا يجول في حسبان البشر من الأحوال والأوضاع.فرج بعد ضيق.وعسر بعد يسر.وبسط بعد قبض.واللّه كل يوم هو في شأن،يبديه للخلق بعد أن كان عنهم في حجاب.

ويريد اللّه أن تستقر هذه الحقيقة في نفوس البشر،ليظل تطلعهم إلى ما يحدثه اللّه من الأمر متجددا ودائما.ولتظل أبواب الأمل في تغيير الأوضاع مفتوحة دائمة.ولتظل نفوسهم متحركة بالأمل،ندية بالرجاء،لا تغلق المنافذ ولا تعيش في سجن الحاضر.واللحظة التالية قد تحمل ما ليس في الحسبان .. «لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت