فهرس الكتاب

الصفحة 4549 من 4997

الساكنة وفي ياء العلة قبلها بعد المد بالألف،في تحزن وتحسر ..هي جزء من ظلال الموقف الموحية بالحسرة والأسى إيحاء عميقا بليغا [1] ..

ولا يقطع هذه الرنة الحزينة المديدة إلا الأمر العلوي الجازم،بجلاله وهوله وروعته: «خُذُوهُ.فَغُلُّوهُ.ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ.ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ» ..يا للهول الهائل! ويا للرعب القاتل! ويا للجلال الماثل! «خُذُوهُ» ..كلمة تصدر من العلي الأعلى.فيتحرك الوجود كله على هذا المسكين الصغير الهزيل.ويبتدره المكلفون بالأمر من كل جانب،كما يقول ابن أبي حاتم بإسناده عن المنهال بن عمرو: «إذا قال اللّه تعالى:خذوه ابتدره سبعون ألف ملك.إن الملك منهم ليقول هكذا فيلقي سبعين ألفا في النار» ..كلهم يبتدر هذه الحشرة الصغيرة المكروبة المذهولة! «فَغُلُّوهُ» ..

فأي السبعين ألفا بلغه جعل الغل في عنقه ..!

«ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ» ..ونكاد نسمع كيف تشويه النار وتصليه ..

«ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ» ..وذراع واحدة من سلاسل النار تكفيه! ولكن إيحاء التطويل والتهويل ينضح من وراء لفظ السبعين وصورتها.ولعل هذا الإيحاء هو المقصود! [2] .

فإذا انتهى الأمر،نشرت أسبابه على الحشود: «إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ.وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ» ..إنه قد خلا قلبه من الإيمان باللّه،والرحمة بالعباد.فلم يعد هذا القلب يصلح إلا لهذه النار وذلك العذاب.

خلا قلبه من الإيمان باللّه فهو موات،وهو خرب،وهو بور.وهو خلو من النور.وهو مسخ من الكائنات لا يساوي الحيوان بل لا يساوي الجماد.فكل شيء مؤمن،يسبح بحمد ربه،موصول بمصدر وجوده.أما هو فمقطوع من اللّه.مقطوع من الوجود المؤمن باللّه.

وخلا قلبه من الرحمة بالعباد.والمسكين هو أحوج العباد إلى الرحمة ولكن هذا لم يستشعر قلبه ما يدعو إلى الاحتفال بأمر المسكين.ولم يحض على طعامه وهي خطوة وراء إطعامه.توحي بأن هناك واجبا اجتماعيا يتحاض عليه المؤمنون.وهو وثيق الصلة بالإيمان.يليه في النص ويليه في الميزان! «فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ.وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ.لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ» ..وهي تكملة الإعلان العلوي عن مصير ذلك الشقي.فلقد كان لا يؤمن باللّه العظيم،وكان لا يحض على طعام المسكين.فهو هنا مقطوع «فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ» ..وهو ممنوع: «وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ» ..والغسلين هو غسالة أهل جهنم من قيح وصديد! وهو يناسب قلبه النكد الخاوي من الرحمة بالعبيد! طعام «لا

(1) - يراجع فصل:التناسق الفني في كتاب:التصوير الفني في القرآن. كما تراجع سورة الحاقة في كتاب:مشاهد القيامة في القرآن. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

(2) - مشاهد القيامة:سورة الحاقة. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت