فهرس الكتاب

الصفحة 4548 من 4997

وَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ، فَيَقُولُ عِنْدَ ذلك:"هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ"،حِينَ نَجَا مِنْ فَضِيحَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [1] "

وفي الصحيح عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ بَيْنَا ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ - أَوْ قَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ - سَمِعْتَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فِى النَّجْوَى فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ - وَقَالَ هِشَامٌ يَدْنُو الْمُؤْمِنُ - حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ،فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا يَقُولُ أَعْرِفُ،يَقُولُ رَبِّ أَعْرِفُ مَرَّتَيْنِ،فَيَقُولُ سَتَرْتُهَا فِى الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ،وَأَمَّا الآخَرُونَ أَوِ الْكُفَّارُ فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الأَشْهَادِ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ » . [2] ..

ثم يعلن على رؤوس الأشهاد ما أعد لهذا الناجي من النعيم،الذي تبدو فيه هنا ألوان من النعيم الحسي،تناسب حال المخاطبين إذ ذاك،وهم حديثو عهد بجاهلية،ولم يسر من آمن منهم شوطا طويلا في الإيمان،ينطبع به حسه،ويعرف به من النعيم ما هو أرق وأعلى من كل متاع:

«فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ.فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ.قُطُوفُها دانِيَةٌ.كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ» ..وهذا اللون من النعيم،مع هذا اللون من التكريم في الالتفات إلى أهله بالخطاب وقوله:

هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ» ..فوق أنه اللون الذي تبلغ إليه مدارك المخاطبين بالقرآن في أول العهد بالصلة باللّه،قبل أن تسمو المشاعر فترى في القرب من اللّه ما هو أعجب من كل متاع ..فوق هذا فإنه يلبي حاجات نفوس كثيرة على مدى الزمان.والنعيم ألوان غير هذا وألوان ..

«وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ» وعرف أنه مؤاخذ بسيئاته،وأن إلى العذاب مصيره،فيقف في هذا المعرض الحافل الحاشد،وقفة المتحسر الكسير الكئيب .. «فَيَقُولُ:يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ! وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ! يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ! ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ! هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ!» ..

وهي وقفة طويلة،وحسرة مديدة،ونغمة يائسه،ولهجة بائسة.والسياق يطيل عرض هذه الوقفة حتى ليخيل إلى السامع أنها لا تنتهي إلى نهاية،وأن هذا التفجع والتحسر سيمضي بلا غاية! وذلك من عجائب العرض في إطالة بعض المواقف،وتقصير بعضها،وفق الإيحاء النفسي الذي يريد أن يتركه في النفوس.وهنا يراد طبع موقف الحسرة وإيحاء الفجيعة من وراء هذا المشهد الحسير.ومن ثم يطول ويطول،في تنغيم وتفصيل.ويتمنى ذلك البائس أنه لم يأت هذا الموقف،ولم يؤت كتابه،ولم يدر ما حسابه كما يتمنى أن لو كانت هذه القارعة هي القاضية،التي تنهي وجوده أصلا فلا يعود بعدها شيئا ..ثم يتحسر أن لا شيء نافعه مما كان يعتز به أو يجمعه: «ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ» .. «هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ» ..فلا المال أغنى أو نفع.ولا السلطان بقي أو دفع ..والرنة الحزينة الحسيرة المديدة في طرف الفاصلة

(1) - تفسير ابن أبي حاتم [12 /335] وتفسير ابن كثير - دار طيبة [8 /214] ضعيف

(2) - صحيح البخارى- المكنز [15 /320] ( 4685 ) وصحيح مسلم- المكنز [17 /499] 7191

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت