القرآن ولا الأثر شيئا،وليس لنا مصدر سواهما نستقي منه عن هذا الغيب شيئا ولو علم اللّه أن في تفصيله خيرا لنا لفعل.وإذ لم يفعل فمحاولتنا نحن في هذا الاتجاه عبث لا يضيف إلى حياتنا ولا إلى معرفتنا المثمرة شيئا! ولا مجال كذلك للاعتراض أو الجدل حول الشهب،وأنها تسير وفق نظام كوني،قبل البعثة وبعدها ووفق ناموس يحاول علماء الفلك تفسيره،بنظريات تخطئ وتصيب.وحتى على فرض صحة هذه النظريات فإن هذا لا يدخل في موضوعنا،ولا يمنع أن ترجم الشياطين بهذه الشهب عند انطلاقها.وأن تنطلق هذه الشهب رجوما وغير رجوم وفق مشيئة اللّه الذي يجري عليها القانون! فأما الذين يرون في هذا كله مجرد تمثيل وتصوير لحفظ اللّه للذكر من الالتباس بأي باطل وأنه لا يجوز أن يؤخذ على ظاهره ..فسبب هذا عندهم أنهم يجيئون إلى القرآن بتصورات مقررة سابقة في أذهانهم،أخذوها من مصادر أخرى غير القرآن.ثم يحاولون أن يفسروا القرآن وفق تلك التصورات السابقة المقررة في أذهانهم من قبل ..ومن ثم يرون الملائكة تمثيلا لقوة الخير والطاعة.والشياطين تمثيلا لقوة الشر والمعصية.والرجوم تمثيلا للحفظ والصيانة ...إلخ لأن في مقرراتهم السابقة - قبل أن يواجهوا القرآن - أن هذه المسميات:الملائكة والشياطين أو الجن،لا يمكن أن يكون لها وجود مجسم على هذا النحو،وأن تكون لها هذه التحركات الحسية،والتأثيرات الواقعية!!! من أين جاءوا بهذا؟ من أين جاءوا بهذه المقررات التي يحاكمون إليها نصوص القرآن والحديث؟
إن الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره،وفي التصور الإسلامي وتكوينه ..أن ينفض الإنسان من ذهنه كل تصور سابق،وأن يواجه القرآن بغير مقررات تصورية أو عقلية أو شعورية سابقة،وأن يبني مقرراته كلها حسما يصور القرآن والحديث حقائق هذا الوجود.ومن ثم لا يحاكم القرآن والحديث لغير القرآن.
ولا ينفي شيئا يثبته القرآن ولا يؤوله! ولا يثبت شيئا ينفيه القرآن أو يبطله.وما عدا المثبت والمنفي في القرآن،فله أن يقول فيه ما يهديه إليه عقله وتجربته ..
نقول هذا بطبيعة الحال للمؤمنين بالقرآن ..وهم مع ذلك يؤولون نصوصه هذه لتوائم مقررات سابقة في عقولهم،وتصورات سابقة في أذهانهم لما ينبغي أن تكون عليه حقائق الوجود [1] ..
فأما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن،ويعتسفون نفي هذه التصورات لمجرد أن العلم لم يصل إلى شيء منها،فهم مضحكون حقا! فالعلم لا يعلم أسرار الموجودات الظاهرة بين يديه،والتي يستخدمها في تجاربه.وهذا لا ينفي وجودها طبعا! فضلا على أن العلماء الحقيقيين أخذت كثرة منهم تؤمن بالمجهول على طريق المتدينين،أو على الأقل لا ينكرون ما لا يعلمون! لأنهم بالتجربة وجدوا أنفسهم - عن طريقة العلم ذاته - أمام مجاهيل فيما بين أيديهم مما كانوا يحسبون أنهم فرغوا من الإحاطة بعلمه!
(1) - وما أبرئ نفسي أنني فيما سبق من مؤلفاتي وفي الأجزاء الأولى من هذه الظلال قد انسقت إلى شيء من هذا .. وأرجو أن أتداركه في الطبعة التالية إذا وفق اللّه .. وما أقرره هنا هو ما أعتقده الحق بهداية من اللّه. ( السيد رحمه الله )