فهرس الكتاب

الصفحة 4602 من 4997

فتواضعوا تواضعا علميا نبيلا ليست عليه سمة الادعاء،ولا طابع التطاول على المجهول،كما يتطاول مدعو العلم ومدعو التفكير العلمي،ممن ينكرون حقائق الديانات،وحقائق المجهول! إن الكون من حولنا حافل بالأسرار،عامر بالأرواح،حاشد بالقوى.وهذه السورة من القرآن - كغيرها - تمنحنا جوانب من الحقائق في هذا الوجود،تعين على بناء تصور حقيقي صحيح للوجود وما فيه من قوى وأرواح وحيوات تعج من حولنا،وتتفاعل مع حياتنا وذواتنا.وهذا التصور هو الذي يميز المسلم ويقف به وسطا بين الوهم والخرافة،وبين الادعاء والتطاول.ومصدره هو القرآن والسنة.وإليهما يحاكم المسلم كل تصور آخر وكل قول وكل تفسير ..

وإن هنالك مجالا للعقل البشري معينا في ارتياد آفاق المجهول:والإسلام يدفعه إلى هذا دفعا ..ولكن وراء هذا المجال المعين ما لا قدرة لهذا العقل على ارتياده،لأنه لا حاجة به إلى ارتياده.وما لا حاجة له به في خلافة الأرض فلا مجال له إليه،ولا حكمة في إعانته عليه.لأنه ليس من شأنه،ولا داخلا في حدود اختصاصه.

والقدر الضروري له منه ليعلم مركزه في الكون بالقياس إلى ما حوله ومن حوله،قد تكفل اللّه سبحانه ببيانه له،لأنه أكبر من طاقته.وبالقدر الذي يدخل في طاقته.ومنه هذا الغيب الخاص بالملائكة والشياطين والروح والمنشأ والمصير ..

فأما الذين اهتدوا بهدى اللّه،فقد وقفوا في هذه الأمور عند القدر الذي كشفه اللّه لهم في كتبه وعلى لسان رسله.وأفادوا منه الشعور بعظمة الخالق،وحكمته في الخلق،والشعور بموقف الإنسان في الأرض من هذه العوالم والأرواح.وشغلوا طاقاتهم العقلية في الكشف والعلم المهيأ للعقل في حدود هذه الأرض وما حولها من أجرام بالقدر الممكن لهم.واستغلوا ما علموه في العمل والإنتاج وعمران هذه الأرض والقيام بالخلافة فيها،على هدى من اللّه،متجهين إليه،مرتفعين إلى حيث يدعوهم للارتفاع.

وأما الذين لم يهتدوا بهدى اللّه فانقسموا فرقتين كبيرتين:فرقة ظلت تجاهد بعقولها المحدودة لإدراك غير المحدود من ذاته تعالى،والمعرفة الحقيقية المغيبة عن غير طريق الكتب المنزلة.وكان منهم فلاسفة حاولوا تفسير هذا الوجود وارتباطاته،فظلوا يتعثرون كالأطفال الذين يصعدون جبلا شاهقا لا غاية لقمته،أو يحاولون حل لغز الوجود وهم لم يتقنوا بعد أبجدية الهجاء!

وكانت لهم تصورات مضحكة - وهم كبار فلاسفة - مضحكة حقا حين يقرنها الإنسان إلى التصور الواضح المستقيم الجميل الذي ينشئه القرآن.مضحكة بعثراتها.ومضحكة بمفارقاتها.ومضحكة بتخلخلها.ومضحكة بقزامتها بالقياس إلى عظمة الوجود الذي يفسرونه بها ..لا أستثني من هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت