تَرْتِيلًا.إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا.إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا.إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا.وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا،رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا.وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا».
وهكذا قام محمد - صلى الله عليه وسلم - وهكذا عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عاما.لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد.منذ أن سمع النداء العلوي الجليل وتلقى منه التكليف الرهيب ..جزاه اللّه عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء ..
وشطر السورة الأول يمضي على إيقاع موسيقي واحد.ويكاد يكون على روي واحد.هو اللام المطلقة الممدودة.وهو إيقاع رخي وقور جليل يتمشى مع جلال التكليف،وجدية الأمر،ومع الأهوال المتتابعة التي يعرضها السياق ..هول القول الثقيل الذي أسلفنا،وهول التهديد المروّع: «وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا،إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا،وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا» ..وهول الموقف الذي يتجلى في مشاهد الكون وفي أغوار النفوس: «يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا» .. «فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا،السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ،كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا» .
فأما الآية الأخيرة الطويلة التي تمثل شطر السورة الثاني فقد نزلت بعد عام من قيام الليل حتى ورمت أقدام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطائفة من الذين معه.واللّه يعدّه ويعدّهم بهذا القيام لما يعدّهم له! فنزل التخفيف،ومعه التطمين بأنه اختيار اللّه لهم وفق علمه وحكمته بأعبائهم وتكاليفهم التي قدرها في علمه عليهم ..
أما هذه الآية فذات نسق خاص.فهي طويلة وموسيقاها متموجة عريضة،وفيها هدوء واستقرار،وقافية تناسب هذا الاستقرار:وهي الميم وقبلها مد الياء: «غَفُورٌ رَحِيمٌ» .
والسورة بشطريها تعرض صفحة من تاريخ هذه الدعوة.تبدأ بالنداء العلوي الكريم بالتكليف العظيم.
وتصور الإعداد له والتهيئة بقيام الليل،والصلاة،وترتيل القرآن،والذكر الخاشع المتبتل.والاتكال على اللّه وحده،والصبر على الأذى،والهجر الجميل للمكذبين،والتخلية بينهم وبين الجبار القهار صاحب الدعوة وصاحب المعركة! ..
وتنتهي بلمسة الرفق والرحمة والتخفيف والتيسير.والتوجيه للطاعات والقربات،والتلويح برحمة اللّه ومغفرته: «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
وهي تمثل بشطريها صفحة من صفحات ذلك الجهد الكريم النبيل الذي بذله ذلك الرهط المختار من
البشرية - البشرية الضالة،ليردها إلى ربها،ويصبر على أذاها،ويجاهد في ضمائرها وهو متجرد من كل ما في الحياة من عرض يغري،ولذاذة تلهي،وراحة ينعم بها الخليون.ونوم يلتذه الفارغون! والآن نستعرض السورة في نصها القرآني الجميل.