فهرس الكتاب

الصفحة 4614 من 4997

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ:"فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي،فَسَمِعْتُ صَوْتًا،مِنَ السَّمَاءِ،فَرَفَعْتُ رَأْسِي،فَإِذَا أَنَا بِالْمَلَكِ الَّذِي،جَاءَنِي بِحِرَاءَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ،فَجُثِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا،فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ:زَمِّلُونِي،زَمِّلُونِي،دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي"فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَهَىَ الْأَوْثَانُ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ" [1] "

ففعلوا.وظل يرتجف مما به من الروع.وإذا جبريل يناديه: «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ» .. (وقيل:يا أيها المدثر) واللّه أعلم أيتهما كانت.

وسواء صحت الرواية الأولى عن سبب نزول شطر السورة.أو صحت هذه الرواية الثانية عن سبب نزول مطلعها،فقد علم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يعد هناك نوم! وأن هنالك تكليفا ثقيلا،وجهادا طويلا،وأنه الصحو والكد والجهد منذ ذلك النداء الذي يلاحقه ولا يدعه ينام! وقيل لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - «قم» ..فقام.وظل قائما بعدها أكثر من عشرين عاما! لم يسترح.ولم يسكن.ولم يعش لنفسه ولا لأهله.قام وظل قائما على دعوة اللّه.يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به.عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض.عبء البشرية كلها،وعبء العقيدة كلها،وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى.

حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها،المثقل بأثقال الأرض وجواذبها،المكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها ..حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية بدأ معركة أخرى في ميدان آخر ..بل معارك متلاحقة ..مع أعداء دعوة اللّه المتألبين عليها وعلى المؤمنين بها،الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها،قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربة وفروعها في الفضاء،وتظلل مساحات أخرى ..ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت الروم تعدّ لهذه الأمة الجديدة وتتهيأ للبطش بها على تخومها الشمالية.

وفي أثناء هذا كله لم تكن المعركة الأولى - معركة الضمير - قد انتهت.فهي معركة خالدة،الشيطان صاحبها وهو لا يني لحظة عن مزاولة نشاطه في أعماق الضمير الإنساني ..ومحمد - صلى الله عليه وسلم - قائم على دعوة اللّه هناك.وعلى المعركة الدائبة في ميادينها المتفرقة.في شظف من العيش والدنيا مقبلة عليه.

وفي جهد وكد والمؤمنون يستروحون من حوله ظلال الأمن والراحة.وفي نصب دائم لا ينقطع ..وفي صبر جميل على هذا كله.وفي قيام الليل.وفي عبادة لربه،وترتيل لقرآنه وتبتل إليه،كما أمره أن يفعل وهو يناديه:«يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ.قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا.نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا،أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ

(1) - الشَّرِيعَةُ لِلْآجُرِّيِّ > ( 958 ) صحيح

جثثت:فزعت ورعبت = زمَّله:غطاه ولفَّه = دثروني:غَطُّوني بِما أدْفَأُ به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت