فهرس الكتاب

الصفحة 4634 من 4997

«وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ:ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا؟» ..وهكذا تترك الحقيقة الواحدة أثرين مختلفين في القلوب المختلفة ..فبينما الذين أوتوا الكتاب يستيقنون،والذين آمنوا يزيدون إيمانا،إذا بالذين كفروا وضعاف القلوب المنافقون في حيرة يتساءلون: «ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا؟» ..فهم لا يدركون حكمة هذا الأمر الغريب.ولا يسلمون بحكمة اللّه المطلقة في تقدير كل خلق.ولا يطمئنون إلى صدق الخبر والخير الكامن في إخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ..

«كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ» ..كذلك.بذكر الحقائق وعرض الآيات.فتتلقاها القلوب المختلفة تلقيا مختلفا.ويهتدي بها فريق وفق مشيئة اللّه ويضل بها فريق حسب مشيئة اللّه.فكل أمر مرجعه في النهاية إلى إرادة اللّه المطلقة التي ينتهي إليها كل شيء.وهؤلاء البشر خرجوا من يد القدرة باستعداد مزدوج للهدى وللضلال فمن اهتدى ومن ضل كلاهما يتصرف داخل حدود المشيئة التي خلقتهم بهذا الاستعداد المزدوج،ويسرت لهم التصرف في هذا أو ذاك،في حدود المشيئة الطليقة،ووفق حكمة اللّه المكنونة.

وتصور طلاقة المشيئة وانتهاء كل ما يقع في هذا الوجود إليها تصورا كاملا واسع المدلول،يعفي العقول من الجدل الضيق حول ما يسمونه الجبر والإرادة.وهو الجدل الذي لا ينتهي إلى تصور صحيح،بسبب أنه يتناول المسألة من زاوية ضيقة،ويضعها في أشكال محددة نابعة من منطق الإنسان وتجاربه وتصوراته المحدودة! بينما هو يعالج قضية من قضايا الألوهية غير المحدودة!

لقد كشف اللّه لنا عن طريق الهدى وطريق الضلال.وحدد لنا نهجا نسلكه فنهتدي ونسعد ونفوز.وبيّن لنا نهوجا ننحرف إليها فنضل ونشقى ونخسر.ولم يكلفنا أن نعلم وراء ذلك شيئا،ولم يهبنا القدرة على علم شيء وراء هذا.وقال لنا:إن إرادتي مطلقة وإن مشيئتي نافذة ..فعلينا أن نعالج - بقدر طاقتنا - تصور حقيقة الإرادة المطلقة والمشيئة النافذة.وأن نلتزم النهج الهادي ونتجنب النهوج المضللة.ولا ننشغل في جدل عقيم حول ما لم نوهب القدرة على إدراك كنهه من الغيب المكنون.ومن ثم ننظر فنرى كل ما أنفقه المتكلمون في مسألة القدر على النحو الذي تكلموا به جهدا ضائعا لا طائل وراءه لأنه في غير ميدانه ..

إننا لا نعلم مشيئة اللّه المغيبة بنا،ولكننا نعلم ماذا يطلب اللّه منا لنستحق فضله الذي كتبه على نفسه.وعلينا إذن أن ننفق طاقتنا في أداء ما كلفنا،وأن ندع له هو غيب مشيئته فينا.والذي سيكون هو مشيئته،وعند ما يكون سنعرف أن هذه مشيئته لا قبل كونه! والذي سيكون وراءه حكمة يعرفها العليم بالكل المطلق ..وهو اللّه وحده ..وهذا هو طريق المؤمن في التصور ومنهجه في التفكر ..

«وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ» ..فهي غيب.حقيقتها.ووظيفتها.وقدرتها ..وهو يكشف عما يريد الكشف عنه من أمرها،وقوله هو الفصل في شأنها.وليس لقائل بعده أن يجادل أو يماحك أو يحاول معرفة ما لم يكشف اللّه عنه،فليس إلى معرفة هذا من سبيل ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت