فهي الرحمة الفائضة من القلوب الرقيقة الرفيقة،تتجه إلى اللّه تطلب رضاه.ولا تبتغي بها جزاء من الخلق ولا شكرا،ولا تقصد بها استعلاء على المحتاجين ولا خيلاء.كما تتقي بها يوما عبوسا شديد العبوس،تتوقعه وتخشاه،وتتقيه بهذا الوقاء.وقد دلهم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عليه فعن مُحِلَّ بْنِ خَلِيفَةَ الطَّائِىِّ قَالَ سَمِعْتُ عَدِىَّ بْنَ حَاتِمٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَجَاءَهُ رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ،وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِى عَلَيْكَ إِلاَّ قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ،وَأَمَّا الْعَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لاَ تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ،ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلاَ تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ،ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا فَلَيَقُولَنَّ بَلَى .ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَلَيَقُولَنَّ بَلَى .فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ،ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ،فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ،فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ » [1]
وعَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ سَمِعْتُ عَدِىَّ بْنَ حَاتِمٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ » [2] .
وعَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ،ثُمَّ يَنْظُرُ فَلاَ يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ،ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ،فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِىَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ » [3] .
وقد كان إطعام الطعام هكذا مباشرة هو وسيلة التعبير عن هذه العاطفة النبيلة الكريمة،ووسيلة الإشباع لحاجات المحاويج.ولكن صور الإحسان ووسائله قد تتغير بحسب البيئات والظروف،فلا تظل في هذه الصورة البدائية المباشرة.إلا أن الذي يجب الاحتفاظ به هو حساسية القلوب،وحيوية العاطفة،والرغبة في الخير ابتغاء وجه اللّه،والتجرد عن البواعث الأرضية من جزاء أو شكر أو نفع من منافع الحياة! ولقد تنظم الضرائب،وتفرض التكاليف،وتخصص للضمان الاجتماعي،ولإسعاف المحاويج،ولكن هذا إنما يفي بشطر واحد من مزايا الاتجاه الإسلامي الذي ترمز إليه تلك الآيات،والذي توخاه بفريضة الزكاة ..هذا الشطر هو كفاية حاجة المحتاجين ..هذا شطر ..والشطر الآخر هو تهذيب أرواح الباذلين،ورفعها إلى ذلك المستوي الكريم.وهو شطر لا يجوز إغفاله ولا التهوين من شأنه فضلا على أن تنقلب المعايير فيوصم ويقبح ويشوه،ويقال:إنه إذلال للآخذين وإفساد للواهبين.
(1) - صحيح البخارى- المكنز [5 /370] (1413 ) العيلة:الفاقة والفقر
(2) - صحيح البخارى- المكنز [5 /375] (1417 )
(3) - صحيح البخارى- المكنز [21 /441] (6539 )