فهرس الكتاب

الصفحة 4658 من 4997

إن الإسلام عقيدة قلوب،ومنهج تربية لهذه القلوب.والعاطفة الكريمة تهذب صاحبها وتنفع من يوجهها إليه من إخوانه.فتفي بشطري التربية التي يقصد إليها هذا الدين.

ومن ثم كان ذلك التصوير الكريم لذلك الشعور الكريم.

«فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا» ..يعجل السياق بذكر وقايتهم من شر ذلك اليوم الذي كانوا يخافونه،ليطمئنهم في الدنيا وهم يتلقون هذا القرآن ويصدقونه! ويذكر أنهم تلقوا من اللّه نضرة وسرورا،لا يوما عبوسا قمطريرا.جزاء وفاقا على خشيتهم وخوفهم،وعلى نداوة قلوبهم ونضرة مشاعرهم.

ثم يمضي بعد ذلك في وصف مناعم الجنة التي وجدوها: «وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا» ..جنة يسكنونها وحريرا يلبسونه. « مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا» ..فهم في جلسة مريحة مطمئنة والجو حولهم رخاء ناعم دافئ في غير حر،نديّ في غير برد.فلا شمس تلهب النسائم،ولا زمهرير وهو البرد القارس! ولنا أن نقول:إنه عالم آخر ليست فيه شمسنا هذه ولا شموس أخرى من نظائرها ..وكفى! «وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها.وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا» ..وإذا دنت الظلال ودنت القطوف فهي الراحة والاسترواح على أمتع ما يمتد إليه الخيال! فهذه هي الهيئة العامة لهذه الجنة التي جزى اللّه بها عباده الأبرار الذين رسم لهم تلك الصورة المرهفة اللطيفة الوضيئة في الدنيا ..ثم تأتي تفصيلات المناعم والخدمات ..

«وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ،وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا،قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا.وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا.عَيْنًا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا» ..فهم في متاعهم.متكئين على الأرائك بين الظلال الوارفة والقطوف الدانية والجو الرائق ..يطاف عليهم بأشربة في آنية من فضة،وفي أكواب من فضة كذلك،ولكنها شفة كالقوارير،مما لم تعهده الأرض في آنية الفضة.وهي بأحجام مقدرة تقديرا يحقق المتاع والجمال.ثم هي تمزج بالزنجبيل كما مزجت مرة بالكافور.

وهي كذلك تملأ من عين جارية تسمى سلسبيلا،لشدة عذوبتها واستساغتها لدى الشاربين! وزيادة في المتاع فإن الذين يطوفون بهذه الأواني والأكواب بالشراب هم غلمان صباح الوجوه،لا يفعل فيهم الزمن،ولا تدركهم السن فهم مخلدون في سن الصباحة والصبا والوضاءة.وهم هنا وهناك كاللؤلؤ المنثور: «وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ،إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا» ..

ثم يجمل السياق خطوط المنظر،ويلقي عليه نظرة كاملة تلخص وقعه في القلب والنظر: «وَإِذا رَأَيْتَ - ثَمَّ - رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا» ..نعيما وملكا كبيرا.هو الذي يعيش فيه الأبرار المقربون عباد اللّه هؤلاء،على وجه الإجمال والعموم! ثم يخصص مظهرا من مظاهر النعيم والملك الكبير كأنه تعليل لهذا الوصف وتفسير: «عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ،وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا» ..والسندس الحرير الرقيق،والإستبرق الحرير السميك المبطن ..وهم في هذه الزينة وهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت