فهرس الكتاب

الصفحة 4705 من 4997

ومن هذه الأرض بذاتها في ذلك الزمان!! وهي قوة السماء التي دفعت مثل هذا الأمر في طريقه فإذا هو ينفذ من خلال نفس النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى البيئة من حوله فيتقرر فيها بعمق وقوة واندفاع،يطرد به أزمانا طويلة في حياة الأمة المسلمة.

لقد كان ميلادا جديدا للبشرية كميلاد الإنسان في طبيعته.وأعظم منه خطرا في قيمته ..أن ينطلق الإنسان حقيقة - شعورا وواقعا - من كل القيم المتعارف عليها في الأرض،إلى قيم أخرى تتنزل له من السماء منفصلة منعزلة عن كل ما في الأرض من قيم وموازين وتصورات واعتبارات وملابسات عملية،وارتباطات واقعية ذات ضغط وثقل،ووشائج متلبسة باللحم والدم والأعصاب والمشاعر.ثم أن تصبح القيم الجديدة مفهومة من الجميع،مسلما بها من الجميع.وأن يستحيل الأمر العظيم بديهية الضمير المسلم،وشريعة المجتمع المسلم،وحقيقة الحياة الأولى في المجتمع الإسلامي لآماد طويلة في حياة المسلمين.

إننا لا نكاد ندرك حقيقة ذلك الميلاد الجديد.لأننا لا نتمثل في ضمائرنا حقيقة هذا الانطلاق من كل ما تنشئه أوضاع الأرض وارتباطاتها من قيم وموازين واعتبارات ساحقة الثقل إلى الحد الذي يخيل لبعض أصحاب المذاهب «التقدمية!» أن جانبا واحدا منها - هو الأوضاع الاقتصادية - هو الذي يقرر مصائر الناس وعقائدهم وفنونهم وآدابهم وقوانينهم وعرفهم وتصورهم للحياة! كما يقول أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ في ضيق أفق،وفي جهالة طاغية بحقائق النفس وحقائق الحياة! إنها المعجزة.معجزة الميلاد الجديد للإنسان على يد الإسلام في ذلك الزمان ..

ومنذ ذلك الميلاد سادت القيم التي صاحبت ذلك الحادث الكوني العظيم ..ولكن المسألة لم تكن هينة ولا يسيرة في البيئة العربية،ولا في المسلمين أنفسهم ..غير أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد استطاع - بإرادة اللّه،وبتصرفاته هو وتوجيهاته المنبعثة من حرارة انفعاله بالتوجيه القرآني الثابت - أن يزرع هذه الحقيقة في الضمائر وفي الحياة وأن يحرسها ويرعاها،حتى تتأصل جذورها،وتمتد فروعها،وتظلل حياة الجماعة المسلمة قرونا طويلة ..على الرغم من جميع عوامل الانتكاس الأخرى ..

كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا الحادث يهش لابن أم مكتوم ويرعاه ويقول له كلما لقيه: «أهلا بمن عاتبني فيه ربي» وقد استخلفه مرتين بعد الهجرة على المدينة [1] ..

ولكي يحطم موازين البيئة وقيمها المنبثقة من اعتبار الأرض ومواضعاتها،زوج بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية،لمولاه زيد بن حارثة.ومسألة الزواج والمصاهرة مسألة حساسة شديدة الحساسية.وفي البيئة العربية بصفة خاصة.

(1) - تفسير القرطبي - دار عالم الكتب،الرياض [19 /213]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت