فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 4997

السياق موحيا هذا الإيحاء اللطيف ..إن هذه عبادات.وطاعة اللّه فيها من جنس طاعته في الصلاة.والحياة وحدة والطاعات فيها جملة.والأمر كله من اللّه.وهو منهج اللّه للحياة [1] ..

والظاهرة الملحوظة في هذه الأحكام أنها في الوقت الذي تمثل العبادة،وتنشئ جو العبادة وتلقي ظلال العبادة ..لا تغفل ملابسة واحدة من ملابسات الحياة الواقعية،وملابسات فطرة الإنسان وتكوينه،وملابسات ضروراته الواقعة في حياته هذه على الأرض.

إن الإسلام يشرع لناس من البشر،لا لجماعة من الملائكة،ولا لأطياف مهومة في الرؤى المجنحة! ومن ثم لا ينسى - وهو يرفعهم إلى جو العبادة بتشريعاته وتوجيهاته - أنهم بشر،وأنها عبادة من بشر ..بشر فيهم ميول ونزعات،وفيهم نقص وضعف،وفيهم ضرورات وانفعالات،ولهم عواطف ومشاعر،وإشراقات وكثافات ..والإسلام يلاحظها كلها ويقودها جملة في طريق العبادة النظيف،إلى مشرق النور الوضيء ،في غير ما تعسف ولا اصطناع.ويقيم نظامه كله على أساس أن هذا الإنسان إنسان! ومن ثم يقرر الإسلام جواز الإيلاء.وهو العزم على الامتناع عن المباشرة فترة من الوقت.ولكن يقيده بألا يزيد على أربعة أشهر.ويقرر الطلاق ويشرّع له،وينظم أحكامه ومخلفاته.في الوقت الذي يبذل كل ذلك الجهد لتوطيد أركان البيت،وتوثيق أواصر الأسرة،ورفع هذه الرابطة إلى مستوى العبادة ..إنه التوازن الذي يجعل مثاليات هذا النظام كلها مثاليات واقعية رفيعة.في طاقة الإنسان.ومقصود بها هذا الإنسان.

إنه التيسير على الفطرة.التيسير الحكيم على الرجل والمرأة على السواء.إذا لم يقدر لتلك المنشأة العظيمة النجاح وإذا لم تستمتع تلك الخلية الأولى بالاستقرار.فاللّه الخبير البصير،الذي يعلم من أمر الناس ما لا يعلمون،لم يرد أن يجعل هذه الرابطة بين الجنسين قيدا وسجنا لا سبيل إلى الفكاك منه،مهما اختنقت فيه الأنفاس،ونبت فيه الشوك،وغشاه الظلام.لقد أرادها مثابة وسكنا فإذا لم تتحقق هذه الغاية - بسبب ما هو واقع من أمر الفطر والطبائع - فأولى بهما أن يتفرقا وأن يحاولا هذه المحاولة مرة أخرى.وذلك بعد استنفاد جميع الوسائل لإنقاذ هذه المؤسسة الكريمة ومع إيجاد الضمانات التشريعية والشعورية كي لا يضار زوج ولا زوجة،ولا رضيع ولا جنين.

وهذا هو النظام الرباني الذي يشرعه اللّه للإنسان ..

(1) - كنت قد عييت فترة عن إدراك سر هذا السياق القرآني العجيب.وقلت في الطبعة الأولى لهذا الجزء وفي الطبعة المكملة للأولى:

أشهد أنني وقفت أمام هذه النقلة طويلا لا يفتح على في سرها،ولا أريد أنا أن أتمحل لها،ولا أقنع كل القناعة بما جاء في بعض التفاسير عنها.من أن إدخال الحديث عن الصلاة في جو الحديث عن الأسرة،إشارة إلى الاهتمام بأمرها،والتذكير بها حتى لا تنسى ..إلخ ص 68 وص 69 من تلك الطبعة.

وقلت: «ولكنني - كما قلت مخلصا - لا أستريح الراحة الكافية لما اهتديت إليه.فإذا هديت إلى شيء آخر فسأبينه في الطبعة التالية.وإذا هدى اللّه أحدا من القراء فليتفضل فيبلغني مشكورا بما هداه اللّه» ..

فالآن أطمئن إلى هذا الفتح وأحد فيه الطريق ..والحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه . ( السيد رحمه الله ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت