وهناك خلاف فقهي في حالة الكتابية التي تعتقد أن اللّه ثالث ثلاثة،أو أن اللّه هو المسيح بن مريم،أو أن العزير ابن اللّه ..أهي مشركة محرمة.أم تعتبر من أهل الكتاب وتدخل في النص الذي في المائدة: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» ... « وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» ..والجمهور على أنها تدخل في هذا النص ..ولكني أميل إلى اعتبار الرأي القائل بالتحريم في هذه الحالة.وقد رواه البخاري عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ،وَلاَ أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى،وَهْوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ [1] .
فأما الأمر في زواج الكتابي من مسلمة فهو محظور لأنه يختلف في واقعه عن زواج المسلم بكتابية - غير مشركة - ومن هنا يختلف في حكمه ..
إن الأطفال يدعون لآبائهم بحكم الشريعة الإسلامية.كما أن الزوجة هي التي تتنقل إلى أسرة الزوج وقومه وأرضه بحكم الواقع.فإذا تزوج المسلم من الكتابية (غير المشركة) انتقلت هي إلى قومه،ودعي أبناؤه منها باسمه،فكان الإسلام هو الذي يهيمن ويظلل جو المحصن.ويقع العكس حين تتزوج المسلمة من كتابي،فتعيش بعيدا عن قومها،وقد يفتنها ضعفها ووحدتها هنالك عن إسلامها،كما أن أبناءها يدعون إلى زوجها،ويدينون بدين غير دينها.والإسلام يجب أن يهيمن دائما.
على أن هناك اعتبار ات عملية قد تجعل المباح من زواج المسلم بكتابية مكروها.وهذا ما رآه عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - أمام بعض الاعتبار ات:
قال ابن كثير في التفسير:«قال أبو جعفر بن جرير رحمة اللّه عن شَهْرَ بْنِ حَوْشَبٍ،قَالَ:سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ،يَقُولُ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَصْنَافِ النِّسَاءِ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ الْمُهَاجِرَاتِ،وَحَرَّمَ كُلَّ ذَاتِ دِينٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ،وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَقَدْ نَكَحَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَهُودِيَّةً،وَنَكَحَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ نَصْرَانِيَّةً فَغَضِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَسْطُوَ عَلَيْهِمَا،فَقَالَا:نَحْنُ نُطَلِّقُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا تَغْضَبْ،فَقَالَ:"لَئِنْ حَلَّ طَلَاقُهُنَّ،لَقَدْ حَلَّ نِكَاحُهُنَّ،وَلَكِنْ أَنْتَزِعِهُنَّ مِنْكُمْ صِغَرَةً قِمَاءً""
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ قَتَادَةُ،مِنْ أَنِّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ:وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْمُشْرِكَاتِ،وَأَنَّ الْآيَةَ عَامٌّ ظَاهِرُهَا خَاصٌّ بَاطِنُهَا،لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ،وَأَنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرُ دَاخِلَاتٍ فِيهَا .وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَحَلَّ
(1) - صحيح البخارى- المكنز [17 /453] ( 5285 )
قلت:الصواب قول الجمهور،ولكن إذا كانت الكتابية في دولة كافرة فلا يحل التزوج منها لأنها صاحبة القرار وسوف تربي أبناءها على الكفر وأما إذا كانت في بلد مسلم وتحمي المسلمين فلا حرج في ذلك بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى ترك الزواج من بنات المسلمين