فهرس الكتاب

الصفحة 4868 من 4997

«وكان أشد مظاهر هذا الخلاف الديني ما كان بين نصارى الشام والدولة الرومية،وبين نصارى مصر.أو بين «الملكانية» ، «المنوفوسية» بلفظ أصح.فكان شعار الملكانية عقيدة ازدواج طبيعة المسيح،وكان المنوفوسيون يعتقدون أن للسيد المسيح طبيعة واحدة هي الإلاهية.التي تلاشت فيها طبيعة المسيح البشرية كقطرة من الخل تقع في بحر عميق لا قرار له.وقد اشتد هذا الخلاف بين الحزبين في القرنين السادس والسابع،حتى صار كأنه حرب عوان بين دينين متنافسين،أو كأنه خلاف بين اليهود والنصارى ..كل طائفة تقول للأخرى:إنها ليست على شيء.

« وحاول الامبراطور هرقل (610 - 641) بعد انتصاره على الفرس (سنة 638) جمع مذاهب الدولة المتصارعة وتوحيدها،وأراد التوفيق،وتقررت صورة التوفيق أن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن كنه طبيعة السيد المسيح،وعما إذا كانت له صفة واحدة أم صفتان،ولكن عليهم بأن يشهدوا بأن اللّه له إرادة واحدة أو قضاء واحد.وفي صدر عام 631 حصل وفاق على ذلك،وصار المذهب المنوثيلي مذهبا رسميا للدولة،ومن تضمهم من أتباع الكنيسة المسيحية.وصمم هرقل على إظهار المذهب الجديد على ما عداه من المذاهب المخالفة،متوسلا إلى ذلك بكل الوسائل.ولكن القبط نابذوه العداء،وتبرأوا من هذه البدعة والتحريف! وصمدوا له واستماتوا في سبيل عقيدتهم القديمة.وحاول الامبراطور مرة أخرى توحيد المذاهب وحسم الخلاف فاقتنع بأن يقر الناس بأن اللّه له إرادة واحدة.وأما المسألة الأخرى وهي نفاذ تلك الإرادة بالفعل فأرجأ القول فيه،ومنع الناس أن يخوضوا في مناظراته.وجعل ذلك رسالة رسمية،ذهب بها إلى جميع جهات العالم الشرقي.ولكن الرسالة لم تهدئ العاصفة في مصر،ووقع اضطهاد فظيع على يد قيصر في مصر استمر عشر سنين،ووقع في خلالها ما تقشعر منه الجلود،فرجال كانوا يعذبون ثم يقتلون غرقا،وتوقد المشاعل وتسلط نارها على الأشقياء حتى يسيل الدهن من الجانبين إلى الأرض ويوضع السجين في كيس مملوء بالرمل ويرمى في البحر.إلى غير ذلك من الفظائع» [1]

وكان هذا الخلاف كله بين أهل الكتاب جميعا «مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ» ..فلم يكن ينقصهم العلم والبيان إنما كان يجرفهم الهوى والانحراف.على أن الدين في أصله واضح والعقيدة في ذاتها بسيطة: « وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ،وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» وهذه هي قاعدة دين اللّه على الإطلاق:عبادة اللّه وحده،وإخلاص الدين له،والميل عن الشرك وأهله،وإقامة الصلاة،وإيتاء الزكاة: «وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» ..عقيدة خالصة في الضمير،وعبادة للّه،تترجم عن هذه العقيدة،وإنفاق للمال في سبيل اللّه،وهو الزكاة ..فمن حقق هذه القواعد،فقد حقق الإيمان كما أمر به أهل الكتاب،وكما هو في دين اللّه على الإطلاق.دين واحد.وعقيدة

(1) - عن كتاب:ماذا خسر العالم ..ص 3 - 5 ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت