واحدة،تتوالى بها الرسالات،ويتوافى عليها الرسل ..دين لا غموض فيه ولا تعقيد.وعقيدة لا تدعو إلى تفرق ولا خلاف،وهي بهذه النصاعة،وبهذه البساطة،وبهذا التيسير.فأين هذا من تلك التصورات المعقدة،وذلك الجدل الكثير؟
فأما وقد جاءتهم البينة من قبل في دياناتهم على أيدي رسلهم ثم جاءتهم البينة،حية في صورة رسول من اللّه يتلو صحفا مطهرة ويقدم لهم عقيدة،واضحة بسيطة ميسرة،فقد تبين الطريق.ووضح مصير الذين يكفرون والذين يؤمنون: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ.إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ.جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا.رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ،ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» ..إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - هو الرسول الأخير وإن الإسلام الذي جاء به هو الرسالة الأخيرة.
وقد كانت الرسل تتوالى كلما فسدت الأرض لترد الناس إلى الصلاح.وكانت هناك فرصة بعد فرصة ومهلة بعد مهلة،لمن ينحرفون عن الطريق فأما وقد شاء اللّه أن يختم الرسالات إلى الأرض بهذه الرسالة الأخيرة الجامعة الشاملة الكاملة،فقد تحددت الفرصة الأخيرة،فإما إيمان فنجاة،وإما كفر فهلاك.ذلك أن الكفر حينئذ دلالة على الشر الذي لا حد له،وأن الإيمان دلالة على الخير البالغ أمده.
«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها.أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ» حكم قاطع لا جدال فيه ولا محال.مهما يكن من صلاح بعض أعمالهم وآدابهم ونظمهم ما دامت تقوم على غير إيمان،بهذه الرسالة الأخيرة،وبهذا الرسول الأخير.لا نستريب في هذا الحكم لأي مظهر من مظاهر الصلاح،المقطوعة الاتصال بمنهج اللّه الثابت القويم.
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ،أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ» .حكم كذلك قاطع لا جدال فيه ولا محال.ولكن شرطه كذلك واضح لا غموض فيه ولا احتيال.إنه الإيمان.لا مجرد مولد في أرض تدعى الإسلام،أو في بيت يقول:إنه من المسلمين.ولا بمجرد كلمات يتشدق بها الإنسان!
إنه الإيمان الذي ينشئ آثاره في واقع الحياة: «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» .وليس هو الكلام الذي لا يتعدى الشفاه!
والصالحات هي كل ما أمر اللّه بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل.وفي أولها إقامة شريعة اللّه في الأرض،والحكم بين الناس بما شرع اللّه.فمن كانوا كذلك فهم خير البرية.
«جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا» ..جنات للإقامة الدائمة في نعيمها الذي يمثله هنا الأمن من الفناء والفوات.والطمأنينة من القلق الذي يعكر وينغص كل طيبات الأرض ..كما يمثله جريان الأنهار من تحتها،وهو يلقي ظلال النداوة والحياة والجمال! ثم يرتقي السياق درجة أو درجات في تصوير هذا النعيم المقيم: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» ..