ثم تجيء الخاتمة للناس جميعا: «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ،وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ.وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ؟ نارٌ حامِيَةٌ!» .
وثقل الموازين وخفتها تفيدنا:قيما لها عند اللّه اعتبار،وقيما ليس لها عنده اعتبار.وهذا ما يلقيه التعبير بجملته،وهذا - واللّه أعلم - ما يريده اللّه بكلماته [1] .فالدخول في جدل عقلي ولفظي حول هذه
(1) - يقسم الناس يوم القيامة إلى قسمين بحسب ثقل موازين أعمالهم وخفتها ،فأما من رجحت حسناته على سيئاته فهو في الجنة في عيشة مرضية ،وأما من رجحت سيئاته على حسناته فهو في نار حامية شديدة الحرارة.وقوله:نارٌ حامِيَةٌ إشارة إلى أن سائر النيران بالنسبة إلى نار الآخرة غير حامية.وهذا القدر كاف في التنبيه على قوة سخونتها.
والموازين جمع ميزان ،فيؤتى بحسنات المطيع في أحسن صورة ،فإذا رجح ،فله الجنة ،ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة ،فيخف وزنه ،فيدخل النار.
وقال المتكلمون:إن نفس الحسنات والسيئات لا يصح وزنهما ،بل المراد أن الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات توزن ،أو يجعل النور علامة الحسنات ،والظلمة علامة السيئات.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:قَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ:قَوْلُهُ:وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ قَالَ:"إِنَّا نَرَى مِيزَانًا وَكِفَّتَيْنِ ،سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ:"يُجْعَلُ الرَّجُلُ الْعَظِيمُ الطَّوِيلُ فِي الْمِيزَانِ ،ثُمَّ لَا يَقُومُ بِجَنَاحٍ ذُبَابٍ"قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ:هُوَ الْمِيزَانُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ ،وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَزِنُ أَعْمَالَ خَلْقِهِ الْحَسَنَاتِ مِنْهَا وَالسَّيِّئَاتِ ،كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ:مَوَازِينُ عَمَلِهِ الصَّالِحِ ،فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يَقُولُ:فَأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ ظَفَرُوا بِالنَّجَاحِ وَأَدْرَكُوا الْفَوْزَ بِالطَّلَبَاتِ ،وَالْخُلُودِ وَالْبَقَاءِ فِي الْجَنَّاتِ ،لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِقَوْلِهِ:"مَا وُضِعَ فِي الْمِيزَانِ شَيْءٌ أَثْقَلَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ"،وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تُحَقِّقُ أَنَّ ذَلِكَ مِيزَانٌ يُوزَنُ بِهِ الْأَعْمَالُ عَلَى مَا وَصَفْتُ .فَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ جَاهِلٌ بِتَوْجِيهِ مَعْنَى خَبَرِ اللَّهِ عَنِ الْمِيزَانِ وَخَبَرِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ وِجْهَتِهِ ،وَقَالَ:وَكَيْفَ تُوزَنُ الْأَعْمَالُ ،وَالْأَعْمَالُ لَيْسَتْ بِأَجْسَامٍ تُوصَفُ بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ ،وَإِنَّمَا تُوزَنُ الْأَشْيَاءُ لِيُعْرَفَ ثِقَلُهَا مِنْ خِفَّتِهَا وَكَثْرَتُهَا مِنْ قِلَّتِهَا ،وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُوصَفُ بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ ؟ قِيلَ لَهُ فِي قَوْلِهِ: ( وَمَا وَجْهُ وَزْنِ اللَّهِ الْأَعْمَالَ وَهُوَ الْعَالِمُ بِمَقَادِيرِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا ؟ ) :وَزْنُ ذَلِكَ نَظِيرُ إِثْبَاتِهِ إِيَّاهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ ،وَاسْتِنْسَاخِهِ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِهِ إِلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِ خَوْفٍ مِنْ نِسْيَانِهِ ،وَهُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ وَوَقْتٍ قَبْلَ كَوْنِهِ وَبَعْدَ وُجُودِهِ ،بَلْ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ ،كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي تَنْزِيلِهِ:كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ الْآيَةَ ،فَكَذَلِكَ وَزْنُهُ تَعَالَى أَعْمَالَ خَلْقِهِ بِالْمِيزَانِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ ،إِمَّا بِالتَّقْصِيرِ فِي طَاعَتِهِ وَالتَّضْيِيعِ ،وَإِمَّا بِالتَّكْمِيلِ وَالتَّتْمِيمِ .وَأَمَّا وَجْهُ جَوَازِ ذَلِكَ ،فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ،قَالَ:"يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْمِيزَانِ ،فَيُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ ،فَيُخْرَجُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا فِيهَا خَطَايَاهُ وَذُنُوبُهُ .قَالَ:ثُمَّ يُخْرَجُ لَهُ كِتَابٌ مِثْلُ الْأَنْمُلَةِ ،فِيهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - صلى الله عليه وسلم - .قَالَ:فَتُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ فَتَرْجَحُ بِخَطَايَاهُ وَذُنُوبِهِ"فَكَذَلِكَ وَزْنُ اللَّهِ أَعْمَالَ خَلْقِهِ بِأَنْ يُوضَعَ الْعَبْدُ وَكُتُبُ حَسَنَاتِهِ فِي كِفَّةٍ مِنْ كِفَّتَيِ الْمِيزَانِ ،وَكُتُبُ سَيِّئَاتِهِ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى ،وَيُحْدِثُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثِقْلًا وَخِفَّةً فِي الْكِفَّةِ الَّتِي الْمَوْزُونُ بِهَا أَوْلَى احْتِجَاجًا مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ عَلَى خَلْقِهِ كَفِعْلِهِ بِكَثِيرٍ مِنْهُمْ مِنِ اسْتِنْطَاقِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمُ ،اسْتِشْهَادًا بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ،وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ حُجَجِهِ .وَيُسْأَلُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ،فَيُقَالُ لَهُ:إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ يُثَقِّلُ مَوَازِينَ قَوْمٍ فِي الْقِيَامَةِ وَيُخَفِّفُ مَوَازِينَ آخَرِينَ ،وَتَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ ،فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ لَكَ إِنْكَارَ الْمِيزَانِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمِيزَانَ الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ الَّذِي يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ ؟ أَحُجَّةُ عَقْلٍ ؟ فَقَدْ يُقَالُ:وَجْهُ صِحَّتِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ،وَلَيْسَ فِي وَزْنِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقَهُ وَكُتُبَ أَعْمَالِهِمْ ،لِتَعْرِيفِهِمْ أَثْقَلَ الْقِسْمَيْنِ مِنْهَا بِالْمِيزَانِ ،خُرُوجٌ مِنْ حِكْمَةٍ ،وَلَا دُخُولٌ فِي جَوْرٍ فِي قَضِيَّةٍ ،فَمَا الَّذِي أَحَالَ ذَلِكَ عِنْدَكَ مِنْ حُجَّةٍ أَوْ عَقْلٍ أَوْ خَبَرٍ ؟ إِذْ كَانَ لَا سَبِيلَ إِلَى حَقِيقَةِ الْقَوْلِ بِإِفْسَادِ مَا لَا يَدْفَعُهُ الْعَقْلُ إِلَّا مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُ ،وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ .وَفِي عَدَمِ الْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وُضُوحُ فَسَادِ قَوْلِهِ وَصِحَّةِ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ .وَلَيْسَ هَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ مَوَاضِعِ الْإِكْثَارِ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْمِيزَانَ الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ ،إِذْ كَانَ قَصْدُنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ الْبَيَانَ عَنْ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ ،وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَرَنَّا إِلَى مَا ذَكَرْنَا نَظَائِرَهُ ،وَفِي الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ كِفَايَةٌ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"
جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (13106و13107 ) صحيح مرسل ،وحديث عبد الله حسن
وانظر كتابي المهذب في تفسير جزء عم [ص 942]