فهرس الكتاب

الصفحة 4881 من 4997

الَّذِي أَبْكَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ لَقَدْ أَبْكَانَا وَأَفْزَعَنَا،فَأَخَذَ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَوْمَأَ إِلَيْنَا فَأَشَارَ فَقَالَ:"أَفْزَعَكُمْ بُكَائِي ؟"فَقُلْنَا:نَعَمْ،يَا رَسُولَ اللهِ .فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي عِنْدَهُ قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ،وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَتِهَا فَأَذِنَ لِي،ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُهُ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي".فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } [التوبة:113] كَذَلِكَ حَتَّى تَقَصَّى الْآيَاتِ كُلَّهَا: { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ } [التوبة:114] فَأَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ فِي الرِّقَةِ فَذَاكَ الَّذِي أَبْكَانِي،أَلَا إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ:عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ،وَأَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ،لِيَسَعَكُمْ،وَعَنْ نَبِيذِ الْأَوْعِيَةِ،فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ،وَكُلُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ وَأَبْقُوا مِنْهَا مَا شِئْتُمْ فَإِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ أَنَّ الْخَيْرَ قَلِيلٌ تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ،أَلَا وَإِنَّ كُلَّ وِعَاءٍ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا،كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" [1] "

وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ:يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ نُعَيْمٍ نُسْأَلُ عَنْهُ ؟،وَإِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ الْمَاءُ وَالتَّمْرُ،قَالَ:"أَمَا إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ" [2]

وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) فَقَرَأَهَا حَتَّى بَلَغَ (لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أَىِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ وَإِنَّمَا هُمَا الأَسْوَدَانِ الْمَاءُ وَالتَّمْرُ وَسُيُوفُنَا عَلَى رِقَابِنَا وَالْعَدُوُّ حَاضِرٌ فَعَنْ أَىِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ قَالَ « إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ » [3] .

أيها السادرون المخمورون.أيها اللاهون المتكاثرون بالأموال والأولاد وأعراض الحياة وأنتم مفارقون.أيها المخدوعون بما أنتم فيه عما يليه.أيها التاركون ما تتكاثرون فيه وتتفاخرون إلى حفرة ضيقة لا تكاثر فيها ولا تفاخر ..استيقظوا وانظروا ..فقد «أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ» .

ثم يقرع قلوبهم بهول ما ينتظرهم هناك بعد زيارة المقابر في إيقاع عميق رزين: «كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» .

ويكرر هذا الإيقاع بألفاظه وجرسه الرهيب الرصين: «ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» .

ثم يزيد التوكيد عمقا ورهبة،وتلويحا بما وراءه من أمر ثقيل،لا يتبينون حقيقته الهائلة في غمرة الخمار والاستكثار: «كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ» ..

ثم يكشف عن هذه الحقيقة المطوية الرهيبة: «لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ» ..

ثم يؤكد هذه الحقيقة ويعمق وقعها الرهيب في القلوب: «ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ» ..

ثم يلقي بالإيقاع الأخير،الذي يدع المخمور يفيق،والغافل يتنبه،والسادر يتلفت،والناعم يرتعش ويرتجف مما في يديه من نعيم: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» ! لتسألن عنه من أين نلتموه؟ وفيم

(1) - أخبار مكة للفاكهي - (4 / 53) (2372 ) صحيح

(2) - الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ لِلطَّبَرَانِيِّ (13774 ) صحيح

(3) - مسند أحمد (24360) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت