أنفقتموه؟ أمن طاعة وفي طاعة؟ أم من معصية وفي معصية؟ أمن حلال وفي حلال؟ أم من حرام وفي حرام؟ هل شكرتم؟ هل أديتم؟ هل شاركتم؟ هل استأثرتم؟ « لَتُسْئَلُنَّ» عما تتكاثرون به وتتفاخرون ..فهو عبء تستخفونه في غمرتكم ولهوكم ولكن وراءه ما وراءه من هم ثقيل! إنها سورة تعبر بذاتها عن ذاتها.وتلقي في الحس ما تلقي بمعناها وإيقاعها.وتدع القلب مثقلا مشغولا بهم الآخرة عن سفساف الحياة الدنيا وصغائر اهتماماتها التي يهش لها الفارغون! إنها تصور الحياة الدنيا كالومضة الخاطفة في الشريط الطويل .. «أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ» ..
وتنتهي ومضة الحياة الدنيا وتنطوي صفحتها الصغيرة ..ثم يمتد الزمن بعد ذلك وتمتد الأثقال ويقوم الأداء التعبيري ذاته بهذا الإيحاء.فتتسق الحقيقة مع النسق التعبيري الفريد ..
وما يقرأ الإنسان هذه السورة الجليلة الرهيبة العميقة،بإيقاعاتها الصاعدة الذاهبة في الفضاء إلى بعيد في مطلعها،الرصينة الذاهبة إلى القرار العميق في نهايتها ..حتى يشعر بثقل ما على عاتقه من أعقاب هذه الحياة الوامضة التي يحياها على الأرض،ثم يحمل ما يحمل منها ويمضي به مثقلا في الطريق! ثم ينشئ يحاسب نفسه على الصغير والزهيد!!!
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:بَيْنَمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا جَالِسَانِ،إِذْ جَاءَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:"مَا أَجْلَسَكُمَا هَاهُنَا ؟"قَالَا:الْجُوعُ،قَالَ:"وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَخْرَجَنِي غَيْرُهُ"،فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا بَيْتَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ،فَاسْتَقْبَلَتْهُمُ الْمَرْأَةُ،فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"أَيْنَ فُلَانٌ ؟"فَقَالَتْ:ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مَاءً،فَجَاءَ صَاحِبُهُمْ يَحْمِلُ قِرْبَتَهُ،فَقَالَ:مَرْحَبًا،مَا زَارَ الْعِبَادَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْ شَيْءٍ زَارَنِي الْيَوْمَ،فَعَلَّقَ قِرْبَتَهُ بِكَرَبِ نَخْلَةٍ،وَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ،فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"أَلَا كُنْتَ اجْتَنَيْتَ ؟"فَقَالَ:أَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونُوا الَّذِينَ تَخْتَارُونَ عَلَى أَعْيُنِكُمْ،ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ،فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ"،فَذَبَحَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ،فَأَكَلُوا،فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ،أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ،فَلَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَبْتُمْ هَذَا،فَهَذَا مِنَ النَّعِيمِ" [1]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ - أَوْ لَيْلَةٍ - فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ،فَقَالَ:"مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟"قَالَا:الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ،،قَالَ:"وَأَنَا،وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا،قُومُوا"،فَقَامُوا مَعَهُ،فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ،فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ،قَالَتْ:مَرْحَبًا وَأَهْلًا،فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"أَيْنَ فُلَانٌ ؟"قَالَتْ:ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ،إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ،فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَصَاحِبَيْهِ،ثُمَّ قَالَ:الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي،قَالَ:فَانْطَلَقَ،فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ،فَقَالَ:كُلُوا مِنْ هَذِهِ،وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ،فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِيَّاكَ،وَالْحَلُوبَ"،فَذَبَحَ لَهُمْ،فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ
(1) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (35172 ) حسن