وحكمة المنهج الرباني الذي أخذ به الجماعة المسلمة مطردة في تنزيل الأحكام عند بروز الحاجة إليها ..حتى استوفى المنهج أصوله كلها على هذا النحو.ولم يبق إلا التفريعات التي تلاحق الحالات الطارئة،وتنشئ حلولا مستمدة من تلك الأصول الشاملة.
وهذا التقييد جعل الطلاق محصورا مقيدا لا سبيل إلى العبث باستخدامه طويلا.فإذا وقعت الطلقة الأولى كان للزوج في فترة العدة أن يراجع زوجه بدون حاجة إلى أي إجراء آخر.فأما إذا ترك العدة تمضي فإنها تبين منه ولا يملك ردها إلا بعقد ومهر جديدين.فإذا هو راجعها في العدة أو إذا هو أعاد زواجها في حالة البينونة الصغرى كانت له عليها طلقة أخرى كالطلقة الأولى بجميع أحكامها.فأما إذا طلقها الثالثة فقد بانت منه بينونة كبرى بمجرد إيقاعها فلا رجعة فيها في عدة،ولا عودة بعدها إلا أن ينكحها زوج آخر.ثم يقع لسبب طبيعي أن يطلقها.فتبين منه لأنه لم يراجعها.أو لأنه استوفى عليها عدد مرات الطلاق.فحينئذ فقط يمكن أن تعود إلى زوجها الأول.
إن الطلقة الأولى محك وتجربة كما بينا.فأما الثانية فهي تجربة أخرى وامتحان أخير.فإن صلحت الحياة بعدها فذاك.وإلا فالطلقة الثالثة دليل على فساد أصيل في حياة الزوجية لا تصلح معه حياة.
وعلى أية حال فما يجوز أن يكون الطلاق إلا علاجا أخيرا لعلة لا يجدي فيها سواه.فإذا وقعت الطلقتان:
فإما إمساك للزوجة بالمعروف،واستئناف حياة رضية رخية وإما تسريح لها بإحسان لا عنت فيه ولا إيذاء.
وهو الطلقة الثالثة التي تمضي بعدها الزوجة إلى خط في الحياة جديد ..وهذا هو التشريع الواقعي الذي يواجه الحالات الواقعة بالحلول العملية ولا يستنكرها حيث لا يجدي الاستنكار،ولا يعيد خلق بني الإنسان على نحو آخر غير الذي فطرهم اللّه عليه.ولا يهملها كذلك حيث لا يجدي الإهمال! ولا يحل للرجل أن يسترد شيئا من صداق أو نفقة أنفقها في أثناء الحياة الزوجية في مقابل تسريح المرأة إذا لم تصلح حياته معها.ما لم تجد هي أنها كارهة لا تطيق عشرته لسبب يخص مشاعرها الشخصية وتحس أن كراهيتها له،أو نفورها منه،سيقودها إلى الخروج عن حدود اللّه في حسن العشرة،أو العفة،أو الأدب.فهنا يجوز لها أن تطلب الطلاق منه وأن تعوضه عن تحطيم عشه بلا سبب متعمد منه برد الصداق الذي أمهرها إياه،أو بنفقاته عليها كلها أو بعضها لتعصم نفسها من معصية اللّه وتعدّي حدوده،وظلم نفسها وغيرها في هذه الحال.وهكذا يراعي الإسلام جميع الحالات الواقعية التي تعرض للناس ويراعي مشاعر القلوب الجادة التي لا حيلة للإنسان فيها ولا يقسر الزوجة على حياة تنفر منها وفي الوقت ذاته لا يضيع على الرجل ما أنفق بلا ذنب جناه.
ولكي نتصور حيوية هذا النص ومداه،يحسن أن نراجع سابقة واقعية من تطبيقه على عهد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - تكشف عن مدى الجد والتقدير والقصد والعدل في هذا المنهج الرباني القويم.