وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء،وليس لهم في هذا النصر يد.وليس لأشخاصهم فيه كسب.وليس لذواتهم منه نصيب.وليس لنفوسهم منه حظ! إنما هو أمر اللّه يحققه بهم أو بدونهم.وحسبهم منه أن يجريه اللّه على أيديهم،وأن يقيمهم عليه حراسا،ويجعلهم عليه أمناء ..هذا هو كل حظهم من النصر ومن الفتح ومن دخول الناس في دين اللّه أفواجا ..
وبناء على هذا الإيحاء وما ينشئه من تصور خاص لحقيقة الأمر يتحدد شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه بإزاء تكريم اللّه لهم،وإكرامهم بتحقيق نصره على أيديهم.إن شأنه - ومن معه - هو الاتجاه إلى اللّه بالتسبيح وبالحمد والاستغفار في لحظة الانتصار.
التسبيح والحمد على ما أولاهم من منة بأن جعلهم أمناء على دعوته حراسا لدينه.وعلى ما أولى البشرية كلها من رحمة بنصره لدينه،وفتحه على رسوله ودخول الناس أفواجا في هذا الخير الفائض العميم،بعد العمى والضلال والخسران.
والاستغفار لملابسات نفسية كثيرة دقيقة لطيفة المدخل:الاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب أو يتدسس إليه من سكرة النصر بعد طول الكفاح،وفرحة الظفر بعد طول العناء.وهو مدخل يصعب توقيه في القلب البشري.فمن هذا يكون الاستغفار.
والاستغفار مما قد يكون ساور القلب أو تدسس إليه في فترة الكفاح الطويل والعناء القاسي،والشدة الطاغية والكرب الغامر ..من ضيق بالشدة،واستبطاء لوعد اللّه بالنصر،وزلزلة كالتي قال عنها في موضع آخر: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} (214) سورة البقرة، فمن هذا يكون الاستغفار.
والاستغفار من التقصير في حمد اللّه وشكره.فجهد الإنسان،مهما كان،ضعيف محدود،وآلاء اللّه دائمة الفيض والهملان .. «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» ..فمن هذا التقصير يكون الاستغفار ..وهناك لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار ..ففيه إيحاء للنفس وإشعار في لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز.فأولى أن تطامن من كبريائها،وتطلب العفو من ربها.وهذا يصد قوى الشعور بالزهو والغرور ..
ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والاتجاه إلى اللّه طلبا للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على المقهورين المغلوبين.ليرقب المنتصر اللّه فيهم،فهو الذي سلطه عليهم،وهو العاجز القاصر المقصر.وإنها سلطة اللّه عليهم تحقيقا لأمر يريده هو.والنصر نصره،والفتح فتحه،والدين دينه،وإلى اللّه تصير الأمور.
إنه الأفق الوضيء الكريم،الذي يهتف القرآن الكريم بالنفس البشرية لتتطلع إليه،وترقى في مدارجه،على حدائه النبيل البار.الأفق الذي يكبر فيه الإنسان لأنه يطامن من كبريائه،وترف فيه روحه