فهرس الكتاب
طليقة لأنها تعنو للّه! إنه الانطلاق من قيود الذات ليصبح البشر أرواحا من روح اللّه.ليس لها حظ في شيء إلا رضاه.ومع هذا الانطلاق جهاد لنصرة الخير وتحقيق الحق وعمل لعمارة الأرض وترقية الحياة وقيادة للبشرية قيادة رشيدة نظيفة معمرة،بانية عادلة خيرة،..الاتجاه فيها إلى اللّه.
وعبثا يحاول الإنسان الانطلاق والتحرر وهو مشدود إلى ذاته،مقيد برغباته،مثقل بشهواته.عبثا يحاول ما لم يتحرر من نفسه،ويتجرد في لحظة النصر والغنم من حظ نفسه ليذكر اللّه وحده.
وهذا هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائما،يريد اللّه أن ترتفع البشرية إلى آفاقه،أو تتطلع إلى هذه الآفاق دائما ..
كان هذا هو أدب يوسف - عليه السلام - في اللحظة التي تم له فيها كل شيء،وتحققت رؤياه: «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا،وَقالَ:يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا.وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي.إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ،إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» ..
وفي هذه اللحظة نزع يوسف - عليه السلام - .نفسه من الصفاء والعناق والفرحة والابتهاج ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر.كل دعوته وهو في أبهة السلطان وفي فرحة تحقيق الأحلام: «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ،فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،تَوَفَّنِي مُسْلِمًا،وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» ..وهنا يتوارى الجاه والسلطان،وتتوارى فرحة اللقاء وتجمع الأهل ولمة الإخوان،ويبدو المشهد الأخير مشهد إنسان فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه،وأن يلحقه بالصالحين عنده.من فضله ومنه وكرمه ..
وكان هذا هو أدب سليمان عليه السلام وقد رأى عرش ملكة سبأ حاضرا بين يديه قبل أن يرتد إليه طرفه: «فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ:هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ،وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ،وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» ..
وهذا كان أدب محمد - صلى الله عليه وسلم - في حياته كلها،وفي موقف النصر والفتح الذي جعله ربه علامة له ..انحنى للّه شاكرا على ظهر دابته ودخل مكة في هذه الصورة [1] .مكة التي آذته وأخرجته وحاربته ووقفت في طريق الدعوة تلك الوقفة العنيدة ..فلما أن جاءه نصر اللّه والفتح،نسي فرحة النصر وانحنى
(1) - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ،وَهْوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ،وَقَالَ لَوْلاَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِى لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ". صحيح البخارى- المكنز [14 /186] ( 4281) "
وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ:أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا انْتَهَى إلَى ذِي طُوًى وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُعْتَجِرًا بِشُقّةِ بُرْدٍ حِبَرَةٍ حَمْرَاءَ،وَإِنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِيَضَعَ رَأْسَهُ تَوَاضُعًا لِلّهِ حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ حَتّى إنّ عُثْنُونَهُ لَيَكَادُ يَمَسّ وَاسِطَةَ الرّحْلِ .سيرة ابن هشام [2 /405] حسن مرسل
وعَنْ أَنَسٍ،قَالَ:"دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَذَقْنُهُ عَلَى رَحْلِهِ مُتَخَشِّعًا"دلائل النبوة للبيهقي [5 /99] (1806 ) حسن لغيره -الرحل:ما يوضع على ظهر البعير للركوب =المتخشع:الخاضع المتذلل