فهرس الكتاب

الصفحة 564 من 4997

والإحسان من اللّه جزاء الخير والإحسان لعباد اللّه.ويرتفع ويتطهر ويزكو بما أعطى وهو بعد في هذه الأرض.وعطاء الآخرة بعد ذلك كله فضل!

ثم يخص بالذكر مصرفا من مصارف الصدقة ويعرض صورة شفة عفة كريمة نبيلة،لطائفة من المؤمنين.

صورة تستجيش المشاعر،وتحرك القلوب لإدراك نفوس أبية بالمدد فلا تهون.وبالإسعاف فلا تضام،وهي تأنف السؤال وتأبى الكلام: «لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ،لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ،يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ،تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا.وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» ..

لقد كان هذا الوصف الموحي ينطبق على جماعة من المهاجرين،تركوا وراءهم أموالهم وأهليهم وأقاموا في المدينة ووقفوا أنفسهم على الجهاد في سبيل اللّه،وحراسة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كأهل الصفة الذين كانوا بالمسجد حرسا لبيوت الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخلص إليها من دونهم عدو.وأحصروا في الجهاد لا يستطيعون ضربا في الأرض للتجارة والكسب.وهم مع هذا لا يسألون الناس شيئا.متجملون يحسبهم من يجهل حالهم أغنياء لتعففهم عن إظهار الحاجة ولا يفطن إلى حقيقة حالهم إلا ذوو الفراسة ..

ولكن النص عام،ينطبق على سواهم في جميع الأزمان.ينطبق على الكرام المعوزين،الذين تكتنفهم ظروف تمنعهم من الكسب قهرا،وتمسك بهم كرامتهم أن يسألوا العون.إنهم يتجملون كي لا تظهر حاجتهم يحسبهم الجاهل بما وراء الظواهر أغنياء في تعففهم،ولكن ذا الحس المرهف والبصيرة المفتوحة يدرك ما وراء التجمل.فالمشاعر النفسية تبدو على سيماهم وهم يدارونها في حياء ..

إنها صورة عميقة الإيحاء تلك التي يرسمها النص القصير لذلك النموذج الكريم.وهي صورة كاملة ترتسم على استحياء! وكل جملة تكاد تكون لمسة ريشة،ترسم الملامح والسمات،وتشخص المشاعر والانفعالات.

وما يكاد الإنسان يتم قراءتها حتى تبدو له تلك الوجوه وتلك الشخصيات كأنما يراها.وتلك طريقة القرآن في رسم النماذج الإنسانية،حتى لتكاد تخطر نابضة حية! هؤلاء الفقراء الكرام الذين يكتمون الحاجة كأنما يغطون العورة ..لن يكون إعطاؤهم إلا سرا وفي تلطف لا يخدش إباءهم ولا يجرح كرامتهم ..ومن ثم كان التعقيب موحيا بإخفاء الصدقة وإسرارها،مطمئنا لأصحابها على علم اللّه بها وجزائه عليها: «وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» ..اللّه وحده الذي يعلم السر،ولا يضيع عنده الخير ..

وأخيرا يختم دستور الصدقة في هذا الدرس بنص عام يشمل كل طرائق الإنفاق،وكل أوقات الإنفاق وبحكم عام يشمل كل منفق لوجه اللّه: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ،سِرًّا وَعَلانِيَةً.فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت